مع تشارلي وإيزابيلا.. كيف استعادت بريطانيا الحياة البرية لأول مرة؟

تُستخدم الماشية بشكل شائع في مشاريع الرعي الطبيعية (نيب وايلدلاند)
تُستخدم الماشية بشكل شائع في مشاريع الرعي الطبيعية (نيب وايلدلاند)

تبدأ القصة في عام 1985، حينما ورث تشارلز باريل (Charles Burrell) الذي كان يبلغ من العمر وقتها 21 عاما، ملكية نيب (Knepp Estate) الواقعة في غرب ساسكس ببريطانيا، والتي تبلغ مساحتها 3500 فدان وتتوسطها قلعة نيب منذ القرن التاسع عشر.

باريل، الذي ورث التركة عن جده، قضى سنوات عدة في ممارسة الزراعة المكثفة بالطريقة الحديثة، إلا أن نيب كانت كالكأس المسموم تأخذ ولا تعطي، تستنزف الأموال والجهد والطاقة ولا تدر ما يكفي.

على مدار الخمسة عشر عاما التالية، فعل تشارلز وإيزابيلا زوجته ما في وسعهما لتحديث نيب من خلال الاستثمار في الآلات الزراعية الأكبر والأفضل، وشراء سلالات حديثة من الأبقار الحلوب، وتنويع منتجاتها من الزبادي والجبن والمثلجات (الآيس كريم).

وكذلك في محاولة استخراج كل ما يمكن استخراجه من الحبوب من أرض نيب الشاسعة، إلا أن كل ذلك لم ينجح، فقد بدأ خطر الإفلاس يلوح في الأفق بشكل كبير جدا.

كانت المزرعة ببساطة فاشلة، رغم ما كان يتلقاه المشروع من دعم للمنتجين الزراعين سواء من بريطانيا أو الاتحاد الأوروبي.

علم باريل أنه بحاجة إلى تغيير جذري، فكّر في تطبيق طرق بديلة لإدارة ممتلكاته. وقد كان التغيير جذريا بالفعل، فقد أصبحت نيب أكبر مشاريع استعادة البرية (Re-Wilding) وأكثرها ازدهارا في تاريخ بريطانيا.

حيث تخلى تشارلز وإيزابيلا عن عمليات الزراعة التقليدية، وسمحا للطبيعة بالاستيلاء على ممتلكاتهما التي تبلغ مساحتها 3500 فدان، مما أدى إلى نتائج ناجحة جدا.

استعادة البرية

استعادة البرية تعني إعادة مساحة من الأرض إلى حالتها الطبيعية تماما. وفقا لموقع "ريوايلدينغ يوروب" (rewildingeurope) فإن "استعادة البرية تعني الوثوق في قوى الطبيعة لاستعادة الأرض والبحر"، فالطبيعة تعرف أفضل الطرق للاستمرار والبقاء.

يمكننا فقط مساعدتها من خلال تهيئة الظروف المناسبة عن طريق إزالة السدود لتحرير الأنهار، والسماح بتجديد الغابات الطبيعية، وإعادة توطين الأنواع التي اختفت نتيجة ما قام به الإنسان، وإصلاح النظم البيئية التالفة، ومن ثم التراجع وترك الطبيعة تدير نفسها بنفسها، مما يؤدي في النهاية إلى خلق موائل أكثر تنوعا بيولوجيا.

هذا ما فعله تشارلز وإيزابيلا. فمنذ عام 2001 أصبحت ملكية نيب جزءا من مشروع استعادة الحياة البرية الرائد المعروف باسم "نيب وايلدلاند" "Knepp Wildland"، الذي يعد تقريبا أول مشروع لاستعادة الحياة البرية على مستوى الأراضي المنخفضة على نطاق واسع في بريطانيا.

تختلف رؤية مشروع نيب وايلدلاند اختلافا جذريا عن أساليب حماية الطبيعة التقليدية من حيث إنها لا تحركها أهداف محددة أو أنواع مستهدفة. بدلا من ذلك، يتمثل مبدأه في إنشاء نظام بيئي فعال حيث تمنح الطبيعة أكبر قدر ممكن من الحرية.

يهدف المشروع إلى إظهار فعالية مشروع استعادة البرية ذي التكلفة المنخفضة ومناسبته للأراضي الزراعية غير المنتجة أو المهجورة، والتي يمكن أن تعمل على دعم المحميات الطبيعية ومواقع الحياة البرية القائمة.

يوجد 3 أنواع من الغزلان في أرض نيب كما تزدهر فيها أنواع مختلفة من الحيوانات (نيب وايلدلاند)

التخلي عن الأفكار المسبقة

تقول إيزابيلا تري (Isabella Tree) زوجة تشارلز باريل والمديرة المشاركة لمشروع استعادة البرية في نيب، في تقرير منشور على موقع "جودنيوز نتورك" (goodnewsnetwork) بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول الجاري "ما فعلناه هنا هو رفع أيدينا عن عجلة القيادة".

وتصف إيزابيلا -وهي مؤلفة كتاب "وايلدينغ" (Wilding) الذي يوثق التجربة- المشروع بأنه عملية "التخلي"، حيث إنه في قفزة عملاقة تم التخلي عن جميع الأفكار المسبقة المتعارف عليها حول الطبيعة والزراعة لإعطاء الطبيعة المساحة والفرصة مرة أخرى للتعبير عن نفسها.

وتقول إنه كان المخطط الأكثر تطرفا والأول من نوعه في بريطانيا، خصوصا وأنك على بعد 41 ميلا فقط من لندن، مضيفة أنه كان هناك بالتأكيد "خوف من التغيير" و"رغبة في الحفاظ على ما يعتبر ريفا تقليديا بمناظر طبيعية مبهجة جماليا ومنظمة بإحكام".

وتوضح إيزابيلا أن إعادة الحياة البرية "كان يعتبر هجرا لأرضنا، وفي بعض الأحيان إهانة لجهود كل مزارع يحترم نفسه". الآن، ومع ذلك النجاح الباهر في تجديد التنوع البيولوجي في نيب، تم إسكات النقاد بشكل تدريجي.

يمكن التخييم في نيب حيث يحيط بك 3500 فدان من مشروع استعادة البرية (نيب وايلدلاند)

نجاحات مبهرة

الخطوة الأولى لتنفيذ المشروع كانت استخدام قطعان من حيوانات الرعي التي تتجول بحرية كمحركات طبيعية لحرث الأرض وخلق الموائل، ومع استعادة دورات المياه الطبيعية الديناميكية، شهد المشروع زيادات غير عادية في الحياة البرية.

ووفقا لموقع نيب (Knepp)، فقد تمت إعادة نهر أدور (Adur) الذي يقع في قلب ملكية نيب إلى حالته الطبيعية وإزالة 4 سدود منفصلة بمساعدة الحكومة البريطانية.

وقد لعبت الأراضي الرطبة المستعادة المحيطة بالمسار المتعرج الطبيعي للنهر، دور المضيف للطيور والبرمائيات والحشرات المائية وسمك السلمون المرقط والأسماك الأخرى ونباتات الأراضي الرطبة المهددة بالانقراض مثل الحور الأسود.

أصبح مشروع إعادة البرية في نيب واحدا من أكثر المناطق تنوعا بيولوجيا في كل بريطانيا. فقد أصبحت أراضي نيب موطنا لجميع الحيوانات الضخمة الإنجليزية تقريبا، بالإضافة إلى أندر الثدييات في أوروبا، وهو خفاش بارباستيل.

كما تتكاثر في نيب أنواع نادرة للغاية من الحيوانات مثل حمامات السلاحف والعندليب والصقور الشاهين وفراشات الإمبراطور الأرجواني.

أنتجت تجربة استعادة البرية في نيب نجاحات مذهلة في الحياة البرية في فترة زمنية قصيرة نسبيا، كما أنها قدمت حلولا لبعض مشاكلنا الأكثر إلحاحا مثل استعادة التربة، وتخفيف الفيضانات، وتنقية المياه والهواء، وتلقيح الحشرات وعزل الكربون.

مشروع يملأك بالأمل

يقول البروفيسور السير جون لوتون مؤلف تقرير "إتاحة مساحة من أجل الطبيعة" (Making Space for Nature report) لعام 2010، إن "ملكية نيب هي واحدة من أكثر مشاريع الحفاظ على الحياة البرية إثارة في المملكة المتحدة، وفي أوروبا بالفعل. وإذا تمكنا من إعادة الطبيعة على هذا النطاق والوتيرة، يمكننا القيام بذلك في أي مكان. إنه رائع حقا، ويملأني بالأمل".

بالنسبة لمشاكل تشارلز وإيزابيلا المالية فقد اختفت تماما، حيث توفر نيب فرصة للتخييم في الأكواخ وخيام البدو ومنزل الشجرة. كما أنها توفر جولات سفاري للأراضي وصيد الأسماك وورش للتصوير الفوتوغرافي ودورات حول كيفية استعادة الطبيعة.

ويأمل تشارلز وإيزابيلا، اللذان تحولا من عشاق الحياة البرية الهواة إلى دعاة لاستعادة الحياة البرية، أن يكون نجاحهما بمثابة حافز للمزارعين الآخرين الذين قد يمتلكون حقولا دون المستوى ويبحثون عن طرق أخرى لاستغلال أراضيهم بالشكل الأمثل.

فعندما تكون الطبيعة في عافية، نكون أكثر صحة أيضا. فنحن نعتمد على العالم الطبيعي في الماء والغذاء والهواء، وقد أصبح هناك إدراك متزايد أيضا بأن الارتباط بالطبيعة البرية يجعلنا نشعر بالسعادة ويبقينا في حالة جيدة عقليا وجسديا.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة