هل نقول وداعا لنجم "منكب الجوزاء"؟

كوكبة الجوزاء ونجما الشعرى اليمانية والشامية كما تظهر من سماء وادي رم بالأردن (الجزيرة)
كوكبة الجوزاء ونجما الشعرى اليمانية والشامية كما تظهر من سماء وادي رم بالأردن (الجزيرة)

هاني الضليع

إنه أحد أشهر نجوم السماء بل ربما يكون أشهرها على الإطلاق عند الفلكيين وهواة الفلك على السواء، يد الجوزاء أو منكب الجوزاء (Betelgeuse) ذاك النجم الأحمر الذي لطالما تغنى به هواة الفلك وذكره الشعراء ورسمته خرائط السماء بل وعشق تصويره هواة التصوير الفلكي.

يد الجوزاء آخذ بالخفوت منذ بداية هذا العام 2020 معلنا ربما عهدا جديدا من تاريخ نبلاء نجوم السماء، إذ هو أحد أنبل نجومها وأكثرها شهرة وتقديرا وحبا واحتراما لدى الفلكيين وهواة الفلك.

منكب الجوزاء.. شعر وأدب
يقول يزيد بن عبيد السلمي واصفا الجوزاء:
إذا الجَوْزاءَ يَوْماً حَلـَّقَـــتْ.. عَلـَتْ كَواكِبُها كَجْمَرِ مُوقـَـــدِ

وليس في الجوزاء نجم أحمر سوى منكبها أو "يد الجوزاء" ذلك النجم العربي، الذي يَنطق اسمَه المحرّف عن اسمه العربي، كل الناس بشتى لغاتهم "بيتل جوز". فهذا النجم يقع على كتف المرأة "الجوزاء" زوجة "سُهيل اليماني" (Suhail) نجم الجنوب ومعشوق أبي العلاء المعرّي الذي يقول فيه:

وسُهيلٌ كوَجنةِ الحِبّ في اللّونِ.. وقلبِ المُحبِّ في الخفقَان
يُسرعُ اللَّمحَ في اضطرابٍ كما تُسرع.. في اللّمح مُقلةُ الغَضبان
ضَرّجته دِماً سيوفُ الأعادي.. فبكَتْ رَحمةً له الشِّعْريان

‪‬ نجوم كوكبة الجبار أوريون ويظهر فيها "يد الجوزاء" الأحمر أعلى اليسار(الجزيرة)

فسهيل زوج الجوزاء الذي غضب منها يوما فضربها وكسر فقارها (كما يقول عبد الرحمن الصوفي في كتابه "صور الكواكب الثمانية والأربعين") وفرّ هاربا إلى الجنوب خوفا من الثأر، فلحقت به أختاه الشعرى اليمانية (العَبور) والشعرى الشامية (الغُمَيصاء) فعبرت الأولى نهر المجرة (درب التبّانة) فسُمّيت العَبور، أما الشامية فجلست عند ضفة النهر تبكي أخويها حتى غمَصت عيناها فسميت الغُميصاء.  

بطل السماء.. بين نجوم الشتاء
أما كوكبة الجوزاء، فهي ذلك المنظر المهيب في سماء الشتاء الذي يتربع فوق الأفق أول ظهوره كأنه ميزان بثلاثة نجوم مصطفة فوق بعضها البعض، ونجمين أحدهما على اليمين والآخر عند نفس المسافة على اليسار، وسُمّيت "الميزان" عند العامة. وهي أشهر مناظر السماء بعد برج العقرب، وذلك عند جميع الأمم، فهي ذاتها كوكبة الجبار أو الصياد "أوريون" (Orion) والصياد صورة رجل يحمل هِراوة ينقضّ بها على الثور في سبيل صيده، يتبعه كلباه الأكبر (Canis Major) وألمع نجومه الشِّعرى اليمانية (Sirius) والكلب الأصغر (Canis Minor) وألمع نجومه الشِّعرى الشامية (Procyon).

أما منكب الجوزاء أو يد الجوزاء، فهو أحد نجوم ثلاثة لا تخطئها العين تشكل مثلثا يدعى "مثلث الشتاء" على غرار "مثلث الصيف". وهذه الثلاثة هي منكب الجوزاء والشعرى اليمانية والشعرى الشامية، وقد حظي هذا النجم بما لم يحظ به أي نجم آخر، فقد التقط له تلسكوب هابل صورة سنة 1999 أظهرته قرصا، فكانت أول صورة تاريخية لقرص نجم غير الشمس.

‪أحد نجوم مثلث الشتاء إلى جانب الشعرى اليمانية والشامية‬ (الجزيرة)

أجمل نجوم الشتاء.. هل يحتضر حقا؟
"يد الجوزاء" نجم يرى في فصل الشتاء ابتداء من نوفمبر/تشرين الثاني، ويُصنف كعاشر ألمع نجوم السماء منذ نشأ علم الفلك، إذ لم يطرأ عليه تغير واضح في لمعانه، على الرغم من أنه معروف عند الفلكيين بأنه نجم متغير في دورتين: كل 420 يوما وكل ست سنوات، كونه نجما عملاقا أحمر يعيش لحظات حياته الأخيرة ويتوقع له أن يموت في أي وقت.

وقد لاحظ الفلكيون خفوتا واضحا في سطوع منكب الجوزاء أعاده إلى الترتيب 22 لمعانا بين النجوم، وربما يزداد خفوتا أكثر، إذ هو آخذ بالخفوت منذ سبتمبر/أيلول 2019 بشكل ملموس.

ويعزو بعض الفلكيين ذلك إلى دورة تغير سطوعه الطويلة التي تستغرق بضع آلاف من السنين، فهو يتمدد ويتقلص، وربما كان ذلك بسبب بعض الغازات التي بردت في أعالي غلافه الجوي، كما يظن بعض العلماء.

في حين يعتقد فريق ثالث بأن النجم يحتضر حقا، وربما كانت هذه زفرته التي يطلقها للمرة الأخيرة قبل أن ينفث غلافه الجوي على شكل انفجار هائل يعرف باسم السوبرنوفا/المستعر الأعظم) يضيء نهار السماء فضلا عن ليلها، وفيه يزداد سطوع النجم المنفجر أضعاف سطوع مجرة بأكملها، بحيث يرى واضحا وسط النهار ويفوق القمر البدر لمعانا وربما فاق الشمس كذلك.

‪"يد الجوزاء" على شكل قرص التقطها تلسكوب هابل الفضائي سنة 1999 (ناسا)‬ "يد الجوزاء" على شكل قرص التقطها تلسكوب هابل الفضائي سنة 1999 (ناسا) 

وإن حدث ذلك، فإنه سيبقى منيرا ساطعا في السماء ليالي وأياما إلى أن يخبو شيئا فشيئا حتى ينتهي به المطاف نجما ضئيلا نبحث عنه من وراء عدسات التلسكوبات، وربما لا نراه أبدا، لأنه سيتحول بعد ذلك إما إلى نجم نيوتروني (نجم طارق) أو ثقب أسود يغيب في غياهب المجرة إلى الأبد، ولا يترك وراءه غير سديم يعرف باسم بقايا المستعرات (Supernova Remnant).

أفول نجم.. يا للهول؟
من المحتمل أن يكون التغير في سطوع "يد الجوزاء" واقعا ضمن المعدل الطبيعي لتغيره كونه نجما أحمر فوق عملاق، لكن انفجاره أيضا حدث ليس بمستبعد، حيث يعمل تلسكوب "ليغو" لموجات الجاذبية على محاولة التقاط أية إشارة قادمة من لدن ذلك النجم الذي يبعد عنا 640 سنة ضوئية، أي أنه لو كان انفجر حقا ورأينا ذلك الانفجار لكان ذلك حدث سنة 1380 لأن ضوء ذلك الانفجار سيستغرق كل تلك المدة كي يصلنا.

على أية حال، فإن ثمة جسيمات تسمى "النيوترينو" ستصل الأرض قبل أن يحدث الانفجار ربما ببضع ساعات منذرة بهذا الحدث الجلل.

‪.. يخفت أم يخبو أم ينفجر؟‬ (الجزيرة) 

لا تقلقوا.. لن يُحدث انفجار النجم على شكل مستعر أعظم ضررا على سكان الأرض على الإطلاق، لكن بلا شك، فإن مَعلَما من معالم السماء سيختفي إلى الأبد لطالما أشرنا إليه بعيوننا وقلوبنا قبل أن نؤشر عليه بأصابعنا أو بشعاع الليزر الأخضر الذي سيُطلق نحوه لآخر مرة.. فهل تصدق التنبؤات؟

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

باستخدام كل من القمر الصناعي "سويفت" ومرصد الجوزاء التابعين لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، اكتشف فريق بحثي -يضم علماء فلكيين بجامعة جونز هوبكنز- نوعاً غامضاً من الانفجارات الكونية، يعود إلى 7.4 مليارات سنة.

لاحظ هواة الفلك في العالم أن إضاءة نجم "منكب الجوزاء" -أحد ألمع النجوم- تنخفض بسرعة وشدة، وهو ما لفت انتباه الفلكيين وجعلهم يتنبؤون بأنه ربما يعيش المراحل الأخيرة من حياته.

المزيد من علوم
الأكثر قراءة