فراخ طيور الغُرة.. تمايز في الألوان وعدالة في الإطعام

إناث الغرة تضع عشر بيضات تفقس بترتيب وضعها ويختلف لون أفراخها (ماكسبيكسلز)
إناث الغرة تضع عشر بيضات تفقس بترتيب وضعها ويختلف لون أفراخها (ماكسبيكسلز)

أحمد الديب

في قصة هانز كرستيان أندرسن الشهيرة "فرخ البط القبيح" تتدحرج بيضة طائر تمّ (الذي نطلق عليه كثيرا بالخطأ اسم البجع) إلى عش يحتضن بيضا للبط، وعندما تفقس البيوض يتعامل الأب والأم وفراخ البط مع الفرخ المختلف بنفور زائد بسبب ملامحه المختلفة.

ورغم أن القصة خيالية بالطبع، فإن سلوكيات الطيور فيها قد تتشابه كثيرا مع ما كشفه لنا العلم حديثا.

تفرقة لونية
تعرف طيور الغُرَّة (أو الغَرَّاء) الأميركية بلون ريشها الأسود والرمادي القاتم، مع مناقير وجبهة بيضاء (وهو سبب تسميتها العربية)، أما فراخ الغرة فلريشها ومناقيرها وحتى جلدها درجات صارخة من الأحمر والبرتقالي.

وكانت دراسات سابقة قد كشفت عن وجود تفضيل لدى طيور الغرة لتخصيص المزيد من الطعام لفراخها "الأجمل" التي تحمل ألوانا زاهية أكثر من غيرها. أما السبب وراء هذا السلوك العجيب فقد كان مجهولا حتى الإعلان عن نتائج البحث المنشور بدورية "وقائع الأكاديمية القومية للعلوم" (بي أن أي أس) قبل أيام.

الباحثان بروس ليون أستاذ الأحياء التطورية بجامعة كاليفورنيا-سانتا كروز، ودايزابورو شيزوكا من جامعة نبراسكا لنكولن، جمعا 1500 بيضة لطيور الغرة من مواقع مختلفة بمقاطعة كولومبيا البريطانية لتفريخها في المعمل وقياس درجات ألوانها بدقة، مع تسجيل توقيت خروج الأفراخ من البيوض.

كما سجل الباحثان بيانات العائلة التي انتمى إليها كل فرخ، وإذا ما كان قد خرج من بيضة طفيلية، وهي البيضة التي قد تضعها أنثى عمدا في عش عائلة أخرى في محاولة لإعطاء فرص أكبر لذريتها في البقاء على قيد الحياة والحصول على ما يكفي من الرعاية والتغذية، وهو الأمر الذي يعود إلى تذكيرنا بما حدث في قصة فرخ البط القبيح.

من أجل العدالة
يقول الدكتور ليون "كنا نتصور أن الفراخ الطفيلية ستتمتع بألوان أزهى لضمان الحصول على فرصة أفضل في التغذية، لكننا صدمنا ونحن نرى التجربة تثبت لنا أن العكس تماما هو الصحيح، إذ أخبرتنا الملاحظة أن ظهور الألوان الزاهية على الفراخ له علاقة مباشرة بترتيب خروجها من البيوض".

‪بمجرد انقضاء أيام المساواة العشرة يبدأ الوالدان في تفضيل الصغار في الإطعام‬ (فليكر)
‪بمجرد انقضاء أيام المساواة العشرة يبدأ الوالدان في تفضيل الصغار في الإطعام‬ (فليكر)

وأضاف ليون "إناث الغرة تضع في عشها بيضة واحدة كل يوم حتى يصير في العش عشر بيضات تقريبا، تفقس بترتيب وضعها، وكلما تأخر فرخ في الخروج، كانت ألوانه أزهى".

يؤكد لنا ذلك أن التلاعب بالألوان -من أجل كسب فرص تغذية أفضل- ليس على الإطلاق في أيدي الصغار، وإنما هو من شأن الأم التي تتحكم بطريقة ما في زيادة نسبة الكاروتينات (صبغات تتدرج ألوانها من الأصفر إلى الأحمر) في البيضة كلما تأخرت في وضعها.

ولعل هذا سيفسر لنا لماذا لا تحظى الفراخ الطفيلية بفرص جيدة في التغذية، حيث تكون دائما من أوائل ما تضعه أمهاتها من البيض.

وتضع طيور الغرة الكثير من البيض وتطعم صغارها بلا تفرقة (بسبب اللون) في الأيام العشرة الأولى بعد خروج آخر الفراخ، وهو ما يمنح أول الأبناء خروجا ميزة تنافسية في الحصول على أكبر قدر من الطعام، مقارنة بالفراخ التي تأخرت في الخروج.

لكن بمجرد انقضاء أيام المساواة العشرة، يبدأ الوالدان في تبني تفضيل خاص للصغار أصحاب الألوان الزاهية، في مقابل ظهور شيء من العدائية في التعامل مع الأبناء الأكبر الذين حصلوا على فرصة الانطلاق المبكر في سباق الحياة، بالزجر -العنيف أحيانا- لمحاولاتهم لالتقاط أكثر مما يلزم من الطعام، الذي لا يكفي الجميع.

وهكذا يستخدم الوالدان هذا التمييز لصالح الصغار الأزهى ألوانا، ويؤخذ القرار بإنهاء حالة المساواة في المعاملة من أجل تحقيق العدالة. وهذا قد يذكرنا كثيرا بالنزعات البشرية التي يجدها الوالدان في قلبهما تجاه أصغر أبنائهما، أو "آخر العنقود"، حتى لو لم يكن بجمال آخر فرخ يخرج من بيضة الغرة.

المصدر : الجزيرة