أدلة جينومية على اتصال قديم بين سكان وسط آسيا وجنوبها

العظام الصخرية للأذن الداخلية للهياكل الحفرية تحتوي على كمية عالية من الحمض النووي (مواقع إلكترونية)
العظام الصخرية للأذن الداخلية للهياكل الحفرية تحتوي على كمية عالية من الحمض النووي (مواقع إلكترونية)

محمد الحداد

رغم اكتشاف مئات الهياكل العظمية بوادي السند (في باكستان) فإن المناخ الحار السائد بالمنطقة يدمر المواد الوراثية التي كانت مفيدة في تتبع تاريخ الحضارات المبكرة في تلك المنطقة الآسيوية.

وفي السنوات الأخيرة تبين للعلماء أن العظام الصخرية للأذن الداخلية تحتوي على كمية عالية من الحمض النووي، مما يسمح لهم بتحديد موقع المادة الوراثية القابلة للاستخدام حتى في الهياكل العظمية المتدهورة.

في دراسة حديثة نشرت بدورية "ساينس" يوم 5 سبتمبر/أيلول، جرب فريق بحثي مشترك من جامعة هارفارد الأميركية وكلية ديكان" بالهند هذه التقنية الواعدة على عينات متحفرة في وادي نهر السند.

الآن أصبح لدى العلماء بنك من المعلومات الجينومية بوادي السند (ساينس نيوز)

تواصل حضاري قديم
أخذ الباحثون عينات من أكثر من ستين هيكلا عظميا قبل أن يتمكنوا من استخراج الحمض النووي القديم من واحدة من العظام الصخرية للأذن الداخلية في أحد الهياكل. ومن خلال تسلسل العينة أكثر من مئة مرة، تمكنوا من تجميع جينوم كامل نسبيا.

ويعتقد الباحثون أن عينة الحمض النووي التي اعتمدوا عليها في التحليل تعود على الأرجح إلى امرأة تم دفنها بين عشرات من الأوعية الخزفية والمزهريات في موقع "راخي جارهي" بوادي السند على بعد حوالي 150 كلم شمال غرب دلهي.

تشير الأدلة الأثرية إلى أن تلك المرأة كانت قد عاشت في الفترة ما بين 2800 و2300 قبل الميلاد. ووجد الباحثون أن الحمض النووي للمرأة يتشابه إلى درجة كبيرة مع عينات حمض نووي من 11 شخصا آخرين تم العثور عليها في مواقع بإيران وتركمانستان، حيث تتوفر ظروف مناخية أفضل للحفاظ على الحمض النووي.

وكانت حضارة السند تتاجر مع مناطق وسط آسيا وإيران، لكن العلماء يقولون إن هؤلاء الأفراد الـ 11 ليس لديهم قواسم وراثية مشتركة مع الآخرين المدفونين بمناطقهم وسط آسيا وإيران، لذلك فقد خلصوا إلى احتمال أن يكونوا مهاجرين من وادي السند إلى وسط آسيا في إطار حركة التجارة القديمة.

وربما كانت تلك الرحلات -التي تمت منذ فترة طويلة عبر الأراضي العشبية الشاسعة والوديان الجبلية- قد حددت أنواع اللغات التي ما زالت تنطق في منطقة شبه القارة الهندية حتى الآن.

مزيج معقد
الآن، أصبح لدى العلماء بنك من المعلومات الجينومية بوادي السند. كما قارنوا المعلومات الوراثية المأخوذة من الأحماض النووية المؤكدة لـ 12 فردا يعودون لمنطقة وادي السند، بالحمض النووي من الحضارات القديمة الأخرى في أوراسيا بالإضافة إلى المجتمعات السكانية الحديثة.

وطبقا لدراسة أخرى نشرت يوم 5 سبتمبر/أيلول في مجلة "سيل" فإن شجرة العائلة المستخلصة من المعلومات الوراثية بعينات وادي السند كشفت أنه رغم انهيار حضارة المنطقة منذ أربعة آلاف عام تقريبا، فإن مخزونها الوراثي يشكل أساسا لمعظم الأشخاص الذين يعيشون بالهند اليوم.

وتشير الدراسة الأولى إلى أن الأشخاص المعاصرين من شمال الهند يحملون أيضا الجينات الوراثية للهجين القديم مع رعاة السهوب الأوراسية، قبل حوالي عام 2000 قبل الميلاد.

وأشار الباحثون إلى أن هؤلاء الرعاة كانوا ينقلون الحمض النووي الأوروبي من أحداث التهجين السابقة، وهو ما يوضح العلاقة الوراثية -التي كانت غير مفهومة سابقا- بين الأوروبيين والآسيويين الجنوبيين، ويفسر سبب اشتراك بعض اللغات الهندو أوروبية الحالية بأوروبا وجنوب آسيا في ميزات لغوية.

وعلى مدار آلاف السنين الماضية، امتزجت المجموعات السكانية في شمال وجنوب الهند، مما أدى إلى المزيج المعقد لأجداد السكان الحاليين بالمنطقة.

 المعاصرون من شمال الهند يحملون أيضا الجينات الوراثية للهجين القديم مع رعاة السهوب الأوراسية (ساينس نيوز)

مفاجأة تاريخية
كانت إحدى مفاجآت الدراسة الثانية تتعلق بالحمض النووي المتصل بالإيرانيين القدماء، والذي كان قد وجد سابقا أنه سائد في جنوب آسيا الحديثة.

ويبدو أن هذا الاكتشاف يدعم اعتقادا شائعا بين علماء الأنثروبولوجيا بأن المهاجرين من منطقة الهلال الخصيب انتقلوا شرقا في مرحلة ما، واختلطوا بسكان جنوب آسيا وأدخلوا الزراعة إلى شبه القارة الهندية.

ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن الحمض النووي ذا الصلة بإيران لدى كل من أفراد السند والهند المعاصرين يسبق بالفعل ظهور الزراعة في إيران بنحو ألفي عام، مما يعني أن الحمض النووي المرتبط بإيران جاء من التهجين مع الرعاة قبل 12000 عام، وليس من المزارعين الأحدث تاريخا من الرعاة.

المصدر : الجزيرة