كيف تقيس النباتات كمية ثاني أكسيد الكربون التي تمتصها؟

تقوم النباتات بالتحكم في عملية تبادل الغازات عن طريق فتح وغلق الثغور (بيكسابي)
تقوم النباتات بالتحكم في عملية تبادل الغازات عن طريق فتح وغلق الثغور (بيكسابي)

طارق قابيل

تواجه النباتات معضلة صعبة في ظروف الجفاف، فعليها أن تغلق جميع مسامها لمنع فقدان المياه، ولكن في المقابل يحد هذا من قدرتها على امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون اللازم للقيام بعملية التمثيل الضوئي.

وقد أظهر العلماء مؤخرا أن لدى النباتات شبكة حسية دقيقة يمكنها أن تحقق التوازن الصحيح بين فقد الماء وامتصاص الغاز في ظروف الجفاف، من خلال شبكة معقدة من أجهزة الاستشعار، وقد نشرت النتائج البحثية في مجلة "نيتشر بلانتس" يوم 26 أغسطس/آب الماضي.

حيث قام فريق دولي من علماء النبات بقيادة راينر هيدريش -وهو عالم فيزياء حيوية من جامعة يوليوس ماكسيميليانز بفورتسبورغ في بافاريا بألمانيا- بالكشف عن هذه الشبكة الحسية الدقيقة.

تبادل الغازات
عندما يكون الضوء وفيرا، تفتح النباتات مسامها لتمتص ثاني أكسيد الكربون، وفي الوقت نفسه، تهرب جزيئات الماء على هيئة بخار بنسبة تزيد على مئة ضعف من ثاني أكسيد الكربون الذي تمتصه.

ولا تشكل عملية تبادل الغازات مشكلة في الظروف الطبيعية، ولكن عندما تجف التربة في منتصف فصل الصيف، فإن النبات يحتاج إلى التحول إلى الوضع الاقتصادي لتوفير المياه، وفيه تفتح النباتات مسامها فقط لإجراء عملية التمثيل الضوئي للبقاء على قيد الحياة.

يتم فتح المسام وإغلاقها عن طريق خلايا حارسة متخصصة تحيط بها، وتسمى الوحدات المكونة من المسام والخلايا الحارسة بالثغور أو "ستوماتا". ويتألف الثغر من خليتين كلويتي الشكل تتقابلان من الناحية المقعرة وتحصران فيما بينهما فتحة هي الفتحة الثغرية، والتي يسمح منها بتبادل الغازات (ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء) بين النبات والجو.

ولقياس التمثيل الضوئي وإمدادات المياه للاستجابة بشكل مناسب للظروف البيئية المتغيرة، يوجد لدى النباتات مستقبلات لقياس تركيز ثاني أكسيد الكربون داخل الورقة.

فعندما ترتفع قيمة الغاز بشكل حاد، يتم إغلاق جميع الثغور لمنع تبخر الماء غير الضروري، وبمجرد انخفاض تركيزه، يعاد فتح الثغور.

وعندما تكون المياه شحيحة، تنتج النباتات حمض الأبسيسيك، وتضع دورة التحكم في ثاني أكسيد الكربون في وضع توفير المياه، ويتم تحقيق ذلك من خلال الخلايا الحارسة المزودة بمستقبلات حمض الأبسيسيك، وعندما يزداد تركيز الهرمون في الورقة تغلق الثغور.

الثغر المفتوح يسمح بتبادل الغازات (ثاني أكسيد الكربون) وبخار الماء بين النبات والجو (بيكسابي)


أنماط التعبير الجيني
وقد أراد فريق البحث إلقاء الضوء على مكونات دورات التحكم في الخلايا الحارسة، فعرضوا نباتات الأرابيدوبسيس لمستويات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون وحمض الأبسيسيك عدة ساعات، لتحفيز ردود الفعل على مستوى الجينات.

وتم تحليل ملامح التعبير الجيني في الخلايا الحارسة باستخدام تقنيات المعلومات الحيوية. ووجد الباحثون أن أنماط التعبير الجيني تختلف اختلافا كبيرا عند التركيزات العالية لثاني أكسيد الكربون أو حمض الأبسيسيك، ولاحظوا أن الزيادة المفرطة في ثاني أكسيد الكربون تتسبب في تغير تعبير بعض الجينات الخاصة بحمض الأبسيسيك.

نتائج مدهشة
ووجد الباحثون أن نبات الأرابيدوبسيس لديه 14 من مستقبلات حمض الأبسيسيك، ستة منها موجودة في الخلايا الحارسة، مما أثار دهشتهم. وهنا يتساءل هيدريش في البيان الصحفي للجامعة: لماذا تحتاج الخلية الحارسة إلى ما يصل إلى ست مستقبلات لهرمون واحد؟

للإجابة عن هذا السؤال، اجتمع مع البروفيسور بيدرو رودريغيز من جامعة مدريد، وهو خبير في مستقبلات حمض الأبسيسيك. وقام فريق رودريغيز بإنتاج طفرات من نبات الأرابيدوبسيس، ومكنهم ذلك من تحديد مستقبلات حمض الأبسيسيك الستة المهمة وتحديد المستقبلات الفردية المسؤولة عن إغلاق الثغور.

يفسر هيدريش هذه النتائج بقوله "استنتجنا أن الخلايا الحارسة تعوض الأداء الحالي للتثبيت الضوئي للكربون مع حالة توازن الماء باستخدام حمض الأبسيسيك كعملة".

وأضاف أنه عندما تكون إمدادات المياه جيدة، تشير نتائجنا إلى أن مستقبلات حمض الأبسيسيك تقيم التوازن الهرموني الأساسي بأنه شبه "خالٍ من الإجهاد"، وتحافظ على الثغور مفتوحة لإمدادات ثاني أكسيد الكربون.

وعندما تكون المياه شحيحة، تتعرف مستقبلات إجهاد الجفاف على ارتفاع مستوى حمض الأبسيسيك وتدفع الخلايا الحارسة لإغلاق الثغور لمنع النبتة من الجفاف.

الهدف التالي للباحثين هو دراسة مستقبلات ومكونات ومسارات تأثير حمض الأبسيسيك وثاني أكسيد الكربون، للكشف عن هذه الآلية المهمة لمقاومة الظروف البيئية غير الملائمة.

المصدر : الجزيرة