كيف تتكون الذاكرة أو تتلاشى.. العمل بشكل جماعي هو مفتاح اللغز

المناطق المختلفة للذاكرة في الدماغ (بيكسلز)
المناطق المختلفة للذاكرة في الدماغ (بيكسلز)

محمد شعبان

بالطبع تعرف ذلك الشعور الذي يصيبك حين تتذكر اسم صديق الطفولة، في حين تنسى المكان الذي وضعت فيه مفتاح سيارتك منذ دقائق، مفارقة تبدو غريبة في ظاهرها، إلا أن الجواب على هذا اللغز بات متاحا.

هكذا جاءت نتائج الدراسة التي أجراها باحثون في معهد كاليفورنيا للتقنية (كالتك)، إذ خلصوا إلى أن عمل الخلايا العصبية بشكل جماعي ومتزامن ومتكرر هو المفتاح لذلك اللغز.

وتمكن الباحثون -تحت إشراف كارلوس لويس- في بحثهم المنشور في دورية "ساينس" الأميركية من فهم تلك الآلية؛ وأشاروا إلى أن التشفير المتزامن والمتكرر "لمجموعات" من الخلايا العصبية ينتج عنه تكوين ذكريات قوية ومستقرة يمكنها أن تبقى إلى الأبد.

دلالات البحث قد تمكننا من فهم العديد من التساؤلات المتعلقة بحالات تلف الدماغ، لا سيما بعض الأمراض الأخرى مثل الزهايمر والسكتات الدماغية.

وبقيادة والتر غونزاليس، طور الباحثون آلية لاختبار النشاط العصبي في الدماغ، وذلك بوضع فئران التجارب في مضمار مستقيم بطول خمسة أقدام، وذي جدران بيضاء. كما وضعوا رموزا مختلفة وفريدة على طول الجدران كعلامات مميزة للمواقع المختلفة. في حين وضع الماء والسكر (كمكافأة) عند طرفي المسار.

وحينما بدأت الفئران استكشاف المسار، قام الباحثون برصد نشاط الخلايا العصبية المسؤولة عن تذكر الأماكن في منطقة قرن آمون، حيث تبدأ الذكريات الحديثة في التشكل.

في البداية، أخذت الفئران تجوب المسار يمينا ويسارا حتى وصلت إلى الماء أو السكر؛ بذلك نشطت مجموعة فردية من الخلايا العصبية لحفظ تلك الرموز في ذاكرة الفئران. وبتكرار تلك التجربة، أصبحت الفئران أكثر دراية بما يتوجب عليها فعله للوصول إلى مكان السكر مباشرة؛ ونتج هذا عن تنشيط مجموعات أكثر وأكثر من الخلايا العصبية أثناء التجارب المتكررة، التي مكّنت الفئران من تذكر الرمز القريب من موقع السكر مباشرة.

دلالات البحث قد تمكننا من فهم العديد من التساؤلات المتعلقة بحالات تلف الدماغ (يوريك ألرت)

تلاشي الذاكرة
ولدراسة كيف تتلاشى الذاكرة، فقد أبعدت الفئران عن المسار لمدة عشرين يوما. بعد تلك الفترة، تمكنت الفئران التي نشطت لديها مجموعات أكبر من الخلايا العصبية من تذكر مسار السكر بسهولة. ورغم أن بعض خلاياها أوضحت نشاطا مغايرا، فإنه كان من السهل عليها التعرف على المسار؛ وذلك لأن العديد من خلاياها العصبية -المنشطة خلال الاختبار- ساعدت بعضها البعض في تذكر المسار حتى وإن عانى بعضها التوقف أو التلف.

لتبسيط تلك الآلية يقول غونزاليس "تخيل أن لديك قصة ما معقدة وطويلة، ومن أجل أن تتذكرها قمت بسردها لخمسة من أصدقائك. ثم جمعتهم سويا في محاولة منك لاسترجاع القصة ومساعدة كلا منهم الآخر في سرد تفاصيلها. فإن نسي أحدهم بعضها قام الآخر بسد تلك الفجوة بما يتذكره من معلومات. وبالتالي فإن أضفت عضوا جديدا في كل مرة تقص فيها قصتك، أصبح من السهل عليهم تذكرها وملء فراغات النسيان. وبشكل مشابه تعمل خلايانا العصبية في تشفير الذكريات لكي تبقى طويلة الأمد".

يشير لويس إلى أن "عمل الخلايا بشكل جمعي ومتزامن هو السبب الأرجح لتقوية الذاكرة، وهذا خلاف ما كان يعتقد سابقا من أن تعزيز الاتصالات بين الخلايا العصبية الفردية هو السبب الرئيسي".

ويضيف قائلا "أشارت النتائج إلى أن زيادة عدد الخلايا المشفرة للذاكرة نفسها يتيح حفظها لفترات أطول؛ وبالتالي فإن التكرارية تزيد عدد تلك الخلايا". ولهذا السبب، فإن فقدان الذاكرة المصاحب للشيخوخة يعزى إلى وجود عدد أقل من الخلايا العصبية يسهم في تشكيل الذاكرة، وهو الوضع نفسه لما يحدث في مرض ألزهايمر.

المصدر : الجزيرة