فك شفرة التحكم في بناء ونمو أجسام الكائنات

جينات هوكس تتواجد في الحمض النووي الخاص بكل كائنات المملكة الحيوانية (بيكساباي)
جينات هوكس تتواجد في الحمض النووي الخاص بكل كائنات المملكة الحيوانية (بيكساباي)

محمد رمضان

تمكن فريق من الباحثين بجامعتي كولومبيا الأميركية وبابلو دي أولافيد الإسبانية من إماطة اللثام عن تقنية جديدة لفك الشفرة الجينية وراء الكيفية التي تتطور وتنمو بها أعضاء الجسم.

الأمر الذي يمثل خطوة كبيرة نحو معرفة الطريقة التي يقوم بها الجسم ببناء أعضائه المختلفة بشكل صحيح ودقيق، مما سيلقي بظلاله على فهم أعمق لتطور الشيخوخة وحدوث الأمراض.

جينات هوكس.. مهندس معماري
نشرت تفاصيل تلك الطريقة بدورية "نيتشر كوميونيكيشانز" نهاية أغسطس/آب المنصرم.

حيث أوضح العلماء كيف تمكنوا من ابتكار تقنية لدراسة الدور الذي تلعبه مجموعة من الجينات تدعى "جينات هوكس" في بناء ونمو أعضاء ذبابة الفاكهة بشكل منهجي. الأمر الذي كان صعبا ومعقدا للغاية في ما سبق.

تتواجد جينات هوكس في الحمض النووي الخاص بكل كائنات المملكة الحيوانية؛ حيث تقوم تلك الجينات بالتحكم في نمو الأجنة إلى حيوانات بالغة، وذلك من خلال توجيه نمو أعضاء الجسم المختلفة بطريقة صحيحة وفي أماكنها المضبوطة. ويمكن تشبيه جينات هوكس بالمهندس المعماري للجسم الذي يمتلك مخططات بناء الأعضاء المختلفة لتكوين جسم سليم.

تعمل تلك الجينات عبر إنتاج مجموعة خاصة من البروتينات تدعى "عوامل النسخ" التي تعمل سويا مع مجموعة أخرى من البروتينات المشابهة تدعى "عوامل هوكس المساعدة"، حيث يقومان جنبا إلى جنب بالارتباط بمناطق مختلفة من الحمض النووي، وذلك بغرض تشغيل بعض الجينات وتعطيل البعض الآخر في أوقات متباينة وبتناسق مدهش.

ومن خلال ذلك التحكم في التعبير عن الجينات يمكن توجيه نمو وتطور أعضاء الجسم المختلفة؛ الأمر الذي يشبه عزف سيمفونية باستخدام كامل آلات الأوركسترا، فيما تلعب جينات هوكس دور المايسترو لتخرج المعزوفة على أكمل وجه.

العثور على "حجر رشيد"
إلا أن تلك العملية بالغة التعقيد بشكل حال دون فهم كيفية حدوثها بشكل كامل. ويوضح ذلك جيمس هومبريا الباحث الرئيسي من الجامعة الإسبانية –عبر البيان الصحفي– قائلا "حيث إن تلك الجينات تشارك بشكل معقد في العديد من مناحي النمو والتطور، فإنه من الصعوبة عزل جين واحد من جينات هوكس بمفرده وتتبع نشاطه عبر الزمن؛ لتصبح لدينا معادلة معقدة للغاية لا يمكن حلها، إذ تحتوي على الكثير من المجاهيل".

من خلال ذلك التحكم في التعبير عن الجينات يمكن توجيه نمو وتطور أعضاء الجسم المختلفة (فري بك)

وخلال دراسة نمو وتطور حشرة ذبابة الفاكهة -التي تحتوي مادتها الوراثية على ثمانية من جينات هوكس– عثر الفريق البحثي بالصدفة على جزء مميز للغاية من حمضها النووي يدعى (vvl1+2).

ويتميز ذلك الجزء بأنه يتم التأثير عليه بواسطة جينات هوكس الثمانية كلها في ذبابة الفاكهة؛ الأمر الذي أعطى العلماء الفرصة المثالية لإمكانية دراسة عائلة جينات هوكس بشكل دقيق وغير مسبوق.

حيث قام الباحثون بالتحكم في نشاط (vvl1+2) بشكل يتيح لهم معرفة كيفية عمل كل جين من جينات هوكس بشكل منفرد.

ومن خلال تحليل البيانات الناتجة بواسطة الحاسوب عبر خوارزمية معقدة طورها الباحثون بجامعة كولومبيا؛ أمكن دراسة جينات هوكس بذبابة الفاكهة بشكل غير مسبوق. ويصف ذلك هومبريا قائلا "الآن لدينا نقطة البدء لفك شفرة عمل جينات هوكس بشكل منهجي؛ الأمر يشبه العثور على حجر رشيد لمساعدتنا في فك الشفرة الجينية لنمو وتطور الجسم".

أمل واعد
تمثل تلك الطريقة أملا واعدا لفهم الكيفية التي تؤثر بها جينات هوكس على الحمض النووي بأكمله، ليس في ذبابة الفاكهة فقط بل في الكائنات الأخرى، بما فيها الإنسان في المستقبل.

وهو الأمر الذي يوضحه ريتشارد مان الباحث المشارك بالدراسة من جامعة كولومبيا –عبر البيان الصحفي– قائلا "يوفر بحثنا مفتاحا لفك تلك الشفرة، لنصبح أقرب أكثر من أي وقت مضى من فهم كيف تقوم جينات هوكس في بناء جسم سليم، أو كيف تتعطل تلك العملية في حال الإصابة بالمرض".

المصدر : مواقع إلكترونية