كيف يترابط شريطا الحمض النووي معا؟.. السر في الماء

البيئة الكارهة للماء هي التي تساعد في تفكك روابط الحمض النووي (مواقع إلكترونية)
البيئة الكارهة للماء هي التي تساعد في تفكك روابط الحمض النووي (مواقع إلكترونية)

محمد شعبان

تمكن علماء من جامعة شالمرز للتكنولوجيا في السويد من دحض النظرية السائدة التي كانت تعتقد أن الروابط الهيدروجينية هي ما يربط شريطي الحمض النووي معا، إذ أوضحوا أن الماء هو مفتاح ذلك اللغز؛ وهو اكتشاف جوهري يفتح الباب لفهم بحوث علوم الطب والحياة بشكل جديد.

تحمل الجينات شفراتنا الوراثية على جزيء الحمض النووي الريبوزي المنقوص الأكسجين "دي أن أي" (DNA)، بحيث يتكون الـ"دي أن أي" من بوليمرات بيولوجية ملتفة حول بعضها بعضا، مكونة شكل اللولب المزدوج المميز لجزيء الـ"دي أن أي".

ولعقود طويلة، كان يعتقد أن الروابط الهيدروجينية بين تلك البوليمرات هي السبب الرئيس الذي يربط شريطي اللولب المزدوج معا في شكل ضد متوازي، وهو ما تغير بعد دراسة نشرت حديثا في مجلة "بِناس" نهاية أغسطس/آب الماضي.

البيئة مفتاح اللغز
أظهر الباحثون أن البيئة المحيطة هي سر البنية الحلزونية لشريطي الـ"دي أن أي". ففي بيئة مائية محيطة بشريطي الـ"دي أن أي"، تحاول القواعد النيتروجينية الكارهة للماء -وهي إحدى مكونات بوليمرات الـ"دي أن أي"- الاحتماء من هذه البيئة.

وبالتالي تدفع نفسها إلى الجزء الداخلي من الشريط المزدوج، في محاولة منها لخلق بيئة كارهة للماء يمكنها البقاء فيها. ومن ثم تبدأ الروابط الهيدروجينية بالتكون بين القواعد النيتروجينية المتقابلة لربطها على شكل أزواج في تسلسل صحيح، كتنافر الزيت من الماء، حيث إن خلق بيئة داخلية كارهة للماء هو الدافع الذي يحتم على القواعد النيتروجينية الاتحاد معا لمواجهة البيئة المائية المحيطة بها.

اللولب المزدوج للـ"دي أن أي" يوضح القواعد النيتروجينية وهي متراصة إلى الداخل (بيكسابي)

استخدم الباحثون مركب بولي إيثيلين جلايكول الكاره للماء، لتغيير البيئة المحيطة بجزيء الـ"دي أن أي" تدريجيا من محبة للماء إلى كارهة للماء، في محاولة منهم لإيجاد الحد الذي يتغير عنده شكل الجزيء. وقد لاحظ الباحثون أنه عند الحد الفاصل بين البيئة المحبة للماء والكارهة له، بدأ الشكل الحلزوني المميز لجزيء الـ"دي أن أي" في التفكك.

أهمية الاكتشاف
يعد هذا الاكتشاف أمرا بالغ الأهمية لفهم العلاقة بين الحمض النووي والبيئة المحيطة به. يقول بوبو فينج وهو أحد الباحثين في هذا الدراسة، فيما نشره موقع يوريك ألرت "تحاول الخلايا دوما حماية جزيء دي أن أي وعدم تعريضه لبيئات كارهة للماء والتي قد تحوي أحيانا بعض الجزيئات الضارة. وعلى الرغم من أن الخلايا تقوم بهذا في معظم أوقاتها، فإنها حين تحتاج لتفعيل جزيء دي أن أي لتقوم بنسخه، أو قراءته أو حتى إصلاحه، فإنه يتعين عليها تعريضه لبيئة كارهة للماء".

فعلى سبيل المثال، في حالة تضاعف الـ"دي أن أي" يتعين على أزواج القواعد النيتروجينية أن تنحل عن بعضها بعضا، لتُمكن الشريط المزدوج من أن يُفتح مسهلا لإنزيمات النسخ العمل على جانبي الحلزون لخلق جزيء "دي أن أي" جديد.

كذلك الحال أثناء عمليات إصلاح الـ"دي أن أي"، حيث تخضع الخلايا الجزء المعطوب من الـ"دي أن أي" لبيئة كارهة للماء لكي يتم استبداله. وهناك بروتينات محفزة تخلق تلك البيئة الكارهة للماء، ونحن نعرف أن هذا النوع من البروتينات يعد أمرا أساسيا في جميع عمليات إصلاح الـ"دي أن أي"، وهذا بالطبع يعني أنه قد يكون الحل لمكافحة العديد من الأمراض الخطيرة.

آفاق مستقبلية يحملها الاكتشاف
يلهمنا فهم هذه البروتينات العديد من الأفكار الجديدة حول كيفية محاربة سلالات البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، وكذلك في علاج السرطان. فنحن نعرف أن البكتيريا تستخدم بروتين "ريك-أي" (RecA) لإصلاح حمضها النووي. ولذلك يعتقد الباحثون أن نتائجهم قد توفر نظرة جديدة لفهم هذه العملية، ومن ثم إيقافها وقتل البكتيريا.

تعرف بروتينات الإصلاح تلك في الخلايا البشرية باسم "راد51" (Rad51)، والتي تقوم بإصلاح الحمض النووي وإلا تصاب تلك الخلايا بالسرطان.

يضيف فنج قائلا: "لكي نفهم السرطان، علينا فهم كيفية إصلاح الحمض النووي بشكل أفضل. ولكي نفهم ذلك، علينا أولا أن نفهم جزيء دي أن أي نفسه. الأمر الذي لم نكن نفهمه قبل بحثنا، إذ كنا نعتقد أن الروابط الهيدروجينية هي ما تعقد شريطا دي أن أي معا. أما الآن، فقد أظهرنا أنه بدلا من ذلك، فإن خلق بيئة كارهة للماء هي التي تكمن وراء ذلك".

ويوضح أن جزيء الـ"دي أن أي" يتصرف بشكل مختلف تماما في البيئة الكارهة للماء، "الأمر الذي يساعدنا على الفهم الأعمق لجزيء دي أن أي وكيفية إصلاحه. وليس من المستغرب أن لم يكتشف أمر كهذا حتى الآن، إذ لم يفكر أحد مسبقا في وضع جزيء دي أن أي في بيئة كارهة للماء ودراسة تصرفه في هذه البيئة".

المصدر : الجزيرة