ممَّن يخشى التنين؟ طبقات من الدروع الثقيلة تحت حراشف تنانين كومودو

تنين كومودو ولسانه يتدلى من فمه مثل لسان من لهب (ويكيميديا)
تنين كومودو ولسانه يتدلى من فمه مثل لسان من لهب (ويكيميديا)

أحمد الديب

لم يطلق عبثا على أكبر وأقوى وأفتك أنواع السحالي على أرضنا اليوم اسم "تنانين كومودو". ربما لا ينفث تنين كومودو لهبا من فمه لكن عضة واحدة من ذلك الفم تكفي لحقن كمية قاتلة من السم في دماء حيوان بضخامة الجاموس!

بهذا الحجم وهذه السرعة وهذه الشراسة، وهذا اللسان الطويل المشقوق الذي يقفز خارج الفم بحركات خاطفة تجعله يبدو لسانا من نار، استحق هذا الوحش عن جدارة تامة أن يذكرنا بالتنانين الأسطورية.

غير أن دراسة حديثة منشورة بدورية ذي أناتوميكال ريكورد أضافت لهذا الاستحقاق بُعدا جديدا تماما، بعد كشفها عن أن تنانين كومودو تمتلك -تماما مثل تنانين الأساطير- طبقة إضافية من الدروع السابغة تشبه سلاسل الحلقات الحديدية التي ارتداها فرسان القرون الوسطى، تختبئ تحت حراشفها (قشورها) المتينة، وتستدعي إلى الذاكرة أوصاف "سموج" أحد أشهر تنانين عالم الخيال، الذي يقول "جي آر آر تولكين" على لسانه في رواية "الهوبيت": "إن درعي مثل عشرة تروس".

لتنانين كومودو، ولغيرها من بعض أنواع السحالي الأخرى، نتوءات عظمية على جلودها تُعرف بالجلد العظمي  osteoderm، تسهم في تعزيز القدرات الدفاعية للحيوان. لكن السبب وراء وجودها عند مخلوقات مثل تنانين كومودو كان من الألغاز التي حيرت العلماء طويلا.

تلك التنانين التي تفرض هيمنتها بصفتها مفترسا أعلى apex predator على جزيرة كومودو وغيرها من الجزر الإندونيسية، والتي قد يصل طول بعضها إلى أكثر من ثلاثة أمتار، وبأوزان قد تتجاوز 160 كيلوغراما، مع أسنان مسنونة مثل المناشير وعضات سامة! تتضمن قائمة فرائسها السحالي الأخرى والقرود والغزلان وحتى جاموس الماء! فلماذا يحتاج هذا الوحش الذي لا يقف أمامه أحد إلى مثل تلك الدروع؟

في سعيه للبحث عن إجابة قام فريق بحثي من جامعة تكساس في أوستن بإجراء تصوير مقطعي CT scan لجثتين، إحداهما تعود لتنين مات في إحدى حدائق الحيوان عن عمر 19 عاما وبطول 2.7 متر تقريبا، والأخرى لتنين مات بعد الولادة بيومين.

وقد أظهرت الصور تفاصيل مثيرة للدهشة، فبينما تظهر مساحات الجلد العظمي في أنواع السحالي الأخرى بشكل واحد أو اثنين على الأكثر، ظهرت في تنين كومودو بأربعة أشكال مختلفة، تغطي - بشكل خوذة حديدية- رأس التنين بالكامل (ففتحة جهاز التصوير لم تستوعب أكثر من رأس التنين الضخم!)، عدا ما حول فتحتي الأنف والعينين وتلك "العين" الثالثة الحساسة للضوء في قمة الرأس المعروفة باسم العين الصنوبرية.

صورة مقربة لحراشف تنين الكومودو المصفحة بالجلد العظمي (ويكيميديا)

تقول خبيرة الحفريات الفقارية بجامعة تكساس في أوستن، الباحثة الرئيسة في الدراسة جيسيكا مايسانو، "كانت النتائج مذهلة لنا. فالجلد العظمي يبدو عند معظم أنواع سحالي الورل حلقات دودية الشكل، لكن هذا التنين الكبير يمتلك منها أربعة أنماط متمايزة تماما، وهو أمر نادر جدا في السحالي".

من يقدر على التنين؟
مع ذلك، فلم يظهر أي جلد عظمي في صور التنين الوليد، مما يخبرنا بأن التنانين لا تحتاج إلى تلك الدروع إلا بعد بلوغها، وأن الغرض الأساسي من ظهور الدروع ليس الحماية من المفترسات المحتملة في الصغر، وإنما من الأقران عندما يحين وقت التنافس على الطعام والتناسل.

ويقول كريستوفر بيل، المشارك أيضا في الدراسة، "تمضي صغار التنانين كثيرا من وقتها فوق الأشجار، لكنها سرعان ما تصل إلى أحجام تشجعها على الهبوط إلى الأرض، وحينئذ تظهر الحاجة إلى طبقة إضافية من الدروع".

وحقا فإن من رأى مشهد ذكرين من تنانين كومودو وهما ينتصبان واقفين على أرجلهما الخلفية ويتلاحمان في قتال دامٍ، يستحضر على الفور مشاهد صراع الديناصورات في السينما، وبقية أوصاف التنين "سموج" من رواية الهوبيت، "وأسناني سيوف ومخالبي رماح وأنفاسي الموت".

لكن في عالمنا اليوم لم تعد تنانين كومودو في حاجة إلى الحماية من مثيلاتها، مثلما هي حاجتها إلى الحماية منا نحن البشر. ففي هذا العام فقط قام الصيادون المخالفون للقانون بصيد وتهريب 41 تنين كومودو لبيعها بأسعار قد تصل إلى 35 ألف دولار للواحد!

وقد دفع ذلك الحكومة الإندونيسية للتفكير الجدي في اتخاذ قرار بإغلاق جزيرة كومودو وغيرها من مواطن التنانين أمام السياحة مطلقا بداية من العام المقبل، في محاولة لحماية تنين كومودو من الكائن الوحيد الذي يستطيع حقا أن يؤذيه.

المصدر : الجزيرة