التفاعل بين الجينات والتجارب الحياتية يحسّن نتائج التعلم

يحدد التطابق الصحيح بين الاستعداد الفطري والتجارب الحياتية المبكرة نتائج التعلم في الطيور المغردة (بيكسابي)
يحدد التطابق الصحيح بين الاستعداد الفطري والتجارب الحياتية المبكرة نتائج التعلم في الطيور المغردة (بيكسابي)

طارق قابيل

تشير بعض البحوث الحديثة إلى أنه يمكن التنبؤ بالتحصيل التعليمي للفرد استنادا إلى تركيبته الجينية. لكن هل يعني هذا أن الجينات تضع قيودا على القدرات التعليمية وتحد من إمكانات الفرد الأكاديمية؟ أم أن هذه النتائج تعكس كيف تكافئ الأنظمة التعليمية الموحدة أنماطا معينة من التعلم الفطري؟

حاول علماء من جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو الإجابة عن هذه التساؤلات في دراستهم الجديدة التي نشرت في دورية "إي لايف" يوم 17 سبتمبر/أيلول الجاري، وأثبتوا كيف يدفع كل من الجينات والخبرة معا قدرة الطيور المغردة على تعلم تغريدات جديدة.

إيقاع التغريد
أجرى العلماء الدراسة على طيور الشرشور البنغالية المغردة، ووجدوا أن الذكور تتعلم الغناء في وقت مبكر من حياتها عن طريق محاكاة تغريدات (أغاني) آبائها. على سبيل المثال، بعض عائلات الطيور تميل إلى أن تدندن (تغرد بصوت رقيق خفيض) أبطأ من المتوسط، في حين يفضل البعض الآخر الألحان الصاخبة.

في دراستهم السابقة المنشورة عام 2018، أظهر مايكل برينارد أستاذ علم وظائف الأعضاء الباحث بمعهد هوارد هيوز الطبي في مركز العلوم العصبية التكاملية بجامعة كاليفورنيا، وديفيد ميتس الذي انضم إلى مختبره في وقت لاحق، أن الاختلافات في إيقاع التغريد بين أعشاش طيور الشرشور البنغالية وراثية، على الأقل جزئيا. ووجدوا أن صغار الطيور تميل إلى غناء نفس الإيقاع مثل آبائها، حتى لو لم تسمع تغريداتها أبدا.

التعلم الثقافي
درس برينارد وغيره من الباحثين منذ فترة طويلة ظاهرة "التعلم الثقافي" كنموذج لكيفية تعلم أطفال البشر. ولطالما دعا الباحثون في مجال التعليم لفترة طويلة إلى تفصيل التدريس في الفصول الدراسية إلى أنماط تعلم محددة للطلاب المختلفين، غير أن الدراسات التي تبين فوائد هذا النهج لم تكن حاسمة.

وعندما انضم ميتس لمختبر برينارد بعد الانتهاء من الدكتوراه في علم الوراثة، أراد أن يسأل نوعا مختلفا من الأسئلة: كيف يجتمع كل من الاستعداد الوراثي والتجارب الحياتية المبكرة لتوليد سلوك الفرد؟

 يمكن التخلص من القيود الوراثية لقدرات تعلم طيور الشرشور البنغالية للتغريد بتكييف التعليم ليناسب الميول الفطرية للطيور (بيكسابي)

وفي الدراسة الحالية، بحث ميتس وزملاؤه عن إجابات لكيفية تفاعل كل من الجينات والخبرة لدفع قدرة الطيور المغردة لتعلم الإيقاعات الجديدة. ولاحظوا أن بعض الطيور الصغيرة تلتقط بسهولة تغريدة "مدرب" بالغ، بينما يناضل بعضها الآخر لمجاراة بنية التغريدات التي يسمعها.

هل كانت هذه الاختلافات الواضحة في الاستعداد للتعلم وراثية أيضا، أم كان هناك شيء أكثر دهاء يحدث؟

للإجابة عن هذا السؤال، عرض الباحثون الطيور الصغيرة -التي لم تسمع تغريدات آبائها من قبل- إلى برنامج تعليمي محوسب، عزف نسخة اصطناعية مسيطرا عليها تجريبيا من التغريدة النموذجية للنوع، وقام الباحثون بتقديم هذه التغريدة النموذجية المتوسطة الإيقاع لجميع الطيور التي وجدت في مستعمرة طيور الشرشور في مختبر برينارد.

الاستعداد الوراثي
وجد الباحثون أن الطيور من العائلات التي لطالما فضلت التغريد لفترة طويلة بإيقاع متوسط، كانت قادرة على تعلم هذه التغريدة النموذجية الموحدة بشكل فعال، في حين أن الطيور التي لها تاريخ عائلي من التغريد بشكل أسرع أو أبطأ لم تكن قادرة على التقاط ذلك بدقة.

في المقابل، عندما قدم الباحثون تغريدة اصطناعية تم توليفها للتدريب ومصممة لتناسب خلفية الطيور الوراثية، مثل تغريدات ذات إيقاع أبطأ، ومتوسط، ومرتفع، أثبتت جميع الطيور أنها قادرة على تعلم الأغنية بدقة.

اللافت للنظر أن الطيور من العائلات التي فضلت التغريد بإيقاع بطيء كانت الأسوأ في التقاط بنية التغريدة المتوسطة الإيقاع، لكن الطيور التي ظهر أنها الأسوأ تعلما للتغريدات المتوسطة الإيقاع تحولت إلى التعلم الجيد عندما قدم لها تحفيز مناسب صمم بحسب خلفيتها العائلية.

وقال ميتس في بيان صحفي للجامعة "نعتقد أن التفاعل بين الاستعداد الوراثي والتجربة الحياتية المبكرة من المرجح أن يكون على نفس القدر من الأهمية للسلوكيات البشرية المعقدة".

هذا، ويتوجه الفريق البحثي حاليا لتحديد المتغيرات الجينية التي تدفع الاختلافات في عائلات الطيور للاستعداد لتعلم التغريدات المتنوعة، كجزء من هدف يسعى لفهم كيف تعمل الجينات والخبرة معا لتشكيل الدوائر الكهربائية الأساسية في المخ، والتي تحدد في نهاية المطاف شخصية الحيوان.

المصدر : مواقع إلكترونية