لماذا أرسل السوفيات الكلاب إلى الفضاء واستخدم الأميركيون القرود؟

في عام 1958 كانت لايكا أول كلبة تتجاوز أطراف الفضاء وتدور حول مدار الأرض (ناسا)
في عام 1958 كانت لايكا أول كلبة تتجاوز أطراف الفضاء وتدور حول مدار الأرض (ناسا)

لم يعرف الباحثون كيف سيكون تأثير انعدام الوزن في الفضاء على البشر، لذلك أرسلوا الحيوانات أولا.

الكلب أولا والشمبانزي ثانيا
في تقريرها الذي نشرته مجلة "أتلانتيك" الأميركيّة، قالت الكاتبة مارينا كورين إن الباحثين في معهد طب الطيران في موسكو بحثوا عن كلب شارد وأطلقوا عليه اسم "زيب". ومن ثمّ وضعوا هذا الكلب داخل كبسولة مربوطة بصاروخ انطلق نحو الفضاء، وفي النهاية عاد هذا الكلب إلى الأرض سليما.

انطلقت هذه الرحلة التاريخية في سبتمبر/أيلول 1951 حيث كان الاتحاد السوفياتي يطور برنامجا لإرسال البشر إلى المدار، وعمل الباحثون على إخضاع الكلاب للتجارب. وفي الأثناء، كانت الولايات المتحدة تجري أبحاثًا طبية وحيوية مماثلة على الرئيسيات فقط مثل القرود والشمبانزي.

وأضافت الكاتبة أن العلماء في ذلك الوقت كانوا يجهلون ردة فعل جسم الإنسان عند التعرض لانعدام الجاذبية، حيث اعتقد بعض الأطباء أن الوظائف الأساسية مثل البلع وضخ الدم إلى القلب ستصبح مستحيلة دون قوة جاذبية ثابتة.

وقد قال بيل بريتز، وهو طبيب بيطري أميركي عمل على حيوانات الشمبانزي التي طارت إلى الفضاء في أوائل الستينيات، "لقد أصبحنا اليوم ندرك إمكانية تكيف الحيوانات والبشر في الفضاء، لكننا لم نكن نعلم شيئا على الإطلاق في السابق".

الكلاب.. لماذا؟
سعى كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة إلى تحقيق الغاية ذاتها، وهي إثبات حقيقة أنه إذا استطاعت الحيوانات العيش في المدار فإنه يمكن للبشر العيش هناك أيضا. ولكن لماذا استخدم السوفيات الكلاب، بينما استخدم الأميركيون الرئيسيات؟

في الواقع، يعود سبب استخدام الكلاب إلى أن شوارع موسكو كانت مكتظة بالكلاب الضالة.

وكما أشارت آمي نيلسون، وهي أستاذة التاريخ في جامعة فرجينيا تك، والتي درست برنامج الكلاب الفضائية السوفياتية، فإن الاتحاد السوفياتي سبق أن استخدم الكلاب في تجارب الأبحاث. فعلى سبيل المثال، درس إيفان بافلوف في مطلع القرن العشرين عمليّة الإشراط الكلاسيكي، وهي السلوك الانعكاسي الذي يربط بين التحفيز والاستجابة، من خلال دراسة عمليّة الهضم لدى الكلاب.

لماذا الشمبانزي؟
في المقابل، كان إيجاد القرود أكثر صعوبة، إذ أوضح بريتز أنهم كانوا يجلبون الشمبانزي من منطقة الكونغو في أفريقيا، ولكن العديد من هذه الحيوانات كانت في صحة سيئة عند وصولها إلى مقر البرنامج في قاعدة هولومان الجوية في نيو مكسيكو. ومن بين الأطباء البيطريين التسعة، نقلت حيوانات الشمبانزي مرض التهاب الكبد لثمانية منهم، وكان بريتز الشخص الوحيد الذي لم يصب بالمرض.

ووفقا للأطباء البيطريين والمؤرخين، اختار الباحثون الأميركيون الرئيسيات بسبب التشابه الفسيولوجي مع البشر، بالإضافة إلى ذكائها. وحاول الباحثون تعليم الشمبانزي طريقة أداء بعض المهام البسيطة أثناء الرحلة لاختبار ما إن كان بإمكانها أن تظل واعية في حالة انعدام الوزن.

ودُرّبت حيوانات الشمبانزي على تحريك المقابض وفق تسلسل معين من خلال إشعال الأضواء. وخلال رحلاتها القصيرة، حرّكت الشمبانزي المقابض منذ انطلاق الرحلة إلى حين عودتها.

اختار الباحثون الأميركيون الرئيسيات بسبب التشابه الفسيولوجي مع البشر (ناسا)

تدريب قاس
في كلا البلدين، خضعت الحيوانات لتدريب قاس، إذ كانت الكلاب السوفياتية تظلّ مقيّدة داخل حاويات صغيرة لساعات عدة لمحاكاة الاحتجاز الذي ستختبره في رحلات الفضاء. كما تعرّضت هذه الحيوانات لضوضاء مدوية عالية، وحُشرت داخل أجهزة الطرد المركزي لمحاكاة أقصى درجات صعوبة رحلات الفضاء، منذ لحظة الإطلاق إلى حين الهبوط. وفي الولايات المتّحدة، تعرضت الرئيسيات إلى هزات وأصوات مماثلة، إلى جانب تدريبها على المهارات الحركية.

واستخدم الأميركيون قرود مكاك ريسوسي خلال رحلاتهم التجريبية الأولى عام 1948، حيث مات الستة الأوائل بسبب الاختناق أو الانفجارات أثناء الطيران أو بسبب صدمة الهبوط.

وأورد بريتز أن الشمبانزي الذي طار في أوائل الستينيات كان أفضل حالًا وتعافى من الرحلة الناجحة التي حملته إلى أطراف الفضاء، بينما نجا الشمبانزي الثاني والأخير الذي طار إلى الفضاء طوال فترة الرحلة، لكنه توفي بعد أشهر عدة بسبب عدوى بكتيريّة. لكن بريتز أوضح أنها لم تكن مرتبطة برحلات الفضاء.

لايكا تدور حول الأرض
في عام 1958، كانت لايكا أول كلبة تتجاوز أطراف الفضاء وتدور حول مدار الأرض، ولكنّ دقات قلبها تسارعت بثلاثة أضعاف السرعة العادية وماتت في الفضاء بعد وقت قصير من انطلاق الرحلة، بسبب الحرارة المرتفعة داخل الكبسولة.

وفي الستينيات، توقف الاتحاد السوفياتي عن إرسال الكلاب إلى الفضاء، كما أوقفت الولايات المتحدة برنامج استخدام الرئيسيات في الوقت ذاته باستثناء قردين من نوع السعدان السنجابي اللذين انضما إلى رواد فضاء على متن مكوك الفضاء عام 1985، حيث نجا كلاهما.

وفي الختام، خلصت الكاتبة إلى أنه بعد قرابة 70 عاما من نجاة الكلب السوفياتي وعيشه حياة عاديّة على الأرض، يواصل العلماء إرسال الحيوانات إلى الفضاء لمساعدتهم على إجراء أبحاثهم عوضا عن البشر.

ووفقا لناسا، هناك بعض الفئران الموجودة على متن محطة الفضاء الدولية في الوقت الحالي، تدور حول الأرض جنبا إلى جنب مع رواد الفضاء الموجودين على متنها.

المصدر : الجزيرة