التلسكوبات الراديوية.. عيون على الفضاء الصامت

تلسكوب باركس الراديوي بأستراليا صاحب الفضل في بث هبوط الإنسان على سطح القمر سنة 1969 (ويكيبيديا)
تلسكوب باركس الراديوي بأستراليا صاحب الفضل في بث هبوط الإنسان على سطح القمر سنة 1969 (ويكيبيديا)

هاني الضليع

لطالما كانت العين المجردة هي الأداة الأولى للنظر إلى السماء واكتشاف أسرار الكون، وقد بقيت كذلك منذ بدء الخليقة إلى أن تمكّن الإنسان من اختراع أجهزة مكبرة كالتلسكوب (المنظار)، بل إرسال بعض أنواعها كتلسكوبات الأشعة تحت الحمراء وأشعة إكس وأشعة جاما في مدارات حول الأرض.

وكان للتلسكوبات الراديوية السبق العلمي في الاختراع، وذلك على يد فلكي أميركي يدعى كارل جانسكي الذي كان أول من بنى تلسكوبا راديويا تابعا لشركة بل الأميركية للاتصالات في العام 1931، استطاع أن يلتقط به الإشارات الراديوية من كل من الشمس والمجرة قبل أن يبدأ تطوير تلسكوبه الخاص لالتقاط إشارات الأشعة الكونية، وهكذا ظهر علم جديد هو علم الفلك الراديوي.

نوافذ الغلاف الجوي
تعمل طبقات الغلاف الجوي المحيطة بالأرض على حماية الأرض من تسرب هوائها إلى الفضاء الخارجي أو تبخر مائها أو انخفاض ضغطها الجوي، كما تعمل على الحفاظ على طبقة المناخ المعروفة بطبقة التروبوسفير أو طبقة الحياة، وعلاوة على ذلك، فهي تمنع الأشعة الضارة خصوصا أشعة إكس والأشعة فوق البنفسجية أن تصل الأرض.

وفي الوقت ذاته يسمح الغلاف الجوي للأشعة المرئية بجميع ألوانها بأن تصل سطح الأرض ومعها بعض الأشعة تحت الحمراء وكثيرا من أشعة الراديو عبر ما اصطلح على تسميتها بنوافذ الغلاف الجوي.

ولأن طيف أشعة الراديو واسع جدا مقارنة بالأشعة المرئية، فقد كان له الفضل الكبير في الكشف عن حقائق كثيرة في الكون، أهمها مدة دورة كوكب عطارد، وثنائيات النابضات النجمية، ودوران الزهرة العكسي حول نفسها، ومركز المجرة الحي، ومجرات أطراف الكون، والانفجار العظيم وغيرها.

كيف يعمل التلسكوب الراديوي؟
يعد الطبق أو الصحن اللاقط المستخدم في التقاط إشارات الأقمار الاصطناعية أبسط أنواع التلسكوبات الراديوية، فهو يلتقط إشارات غير مرئية من الفضاء ويحوّلها إلى معلومات وصور وأصوات، وهذا هو المبدأ الذي يقوم عليه التلسكوب الراديوي.

إذ يلتقط الإشارة الراديوية غير المرئية ويحوّلها إلى كهرباء، ثم تتحول بفضل الأجهزة الأخرى إلى بيانات ومعلومات وصور، ويمكن التحكم بجميع هذه الصور (الخام) من حيث تركيب العديد منها فوق بعض بغرض التقوية، وتنظيفها من التشويش المرافق لها والقادم من أرجاء السماء والأرض.

تلسكوب فاست الصيني أكبر منظار راديوي في العالم بقطر 500 متر (يونيفرس توداي) 

هل تصلح جميع الصحون تلسكوبات راديوية؟
الإجابة لا، لسببين رئيسين هما أن الإشارة الراديوية بشكل عام إشارة ضعيفة جدا، وبذلك سنكون بحاجة إلى لاقط كبير لا يقل قطره عن ثلاثة أمتار.

والسبب الثاني أن قيمة التشويش يجب أن تكون أقل بأضعاف عدة من قيمة الإشارة الأصلية للجرم السماوي المطلوب، ويمكن حل هذه المشكلة إما بزيادة قطر التلسكوب الراديوي نفسه، أو ببنائه في مواقع على سطح الأرض بعيدة عن المدن.

غير أن أفضل مكان يمكن لتلسكوب راديوي أن يوضع فيه هو الفضاء نفسه، لكنها عملية مكلفة جدا بسبب عظم حجم هذه التلسكوبات.

إشارة ضعيفة جدا
في عام 1977 أطلقت وكالة ناسا الفضائية مركبة "فوياجر 2" التي سارت عبر المجموعة الشمسية مرورا بالمشتري ثم زحل ثم أورانوس ثم نبتون، ثم غادرت بعد ذلك المجموعة الشمسية عبر الفضاء بين النجمي.

غير أن وجهتها كانت في الناحية الجنوبية من الكرة الأرضية، وإشارتها الضعيفة جدا (أضعف بمليارات المرات من إشارة بطارية ساعة اليد) لا يمكن أن تصل إلى النصف الشمالي من الأرض حيث تقع أميركا وتلسكوباتها.

من أجل ذلك استعانت وكالة ناسا آنذاك بالتلسكوب الراديوي الأسترالي "باركر" ذي القطر 64 مترا لتحديد مسارها واستقبال بياناتها، وقد دفعت ناسا لقاء هذه الخدمة مبلغا باهظا من المال بلغ مئتي مليون دولار في ذلك الوقت.

ومن الجدير بالذكر أن أستراليا لا تزال هي ضابط الاتصال الوحيد مع مركبتي فوياجر حتى اليوم، رغم أن المسافة الفاصلة بين الأرض وبين أي منهما تزيد على 120 وحدة فلكية (الوحدة الفلكية هي المسافة بين الأرض والشمس وتبلغ 150 مليون كيلومترا) أي حوالي 18 مليار كيلومتر.

أكبر تلسكوب راديوي في العالم
ظل تلسكوب أريسيبو الراديوي في بورتوريكو بأميركا اللاتينية منذ عام 1963 وحتى عام 2016 أكبر تلسكوب ذي صحن لاقط واحد في العالم بقطر 305 أمتار، إذ كان قد بني في واد بين جبلين.

وشهد هذا الموقع مسرحا لأحد أفلام الممثل البريطاني المشهور جيمس بوند. وظل صاحب الرقم القياسي حتى بنى الصينيون تلسكوبا شبيها له في عام 2016 بالمواصفات نفسها لكن بقطر بلغ 500 متر.

وقد شهد العام الجاري 2019 استكمال تشغيل جميع مرافق هذا التلسكوب العظيم ليتم فتح استخدامه عالميا لعلماء الفلك الراديوي. وبذلك تكون الصين قد سجلت رقما قياسيا في تاريخ صنع التلسكوبات الراديوية التي سيكون بمقدورها التقاط إشارات باهتة من أطراف الكون وحوافه وسبر أغوار الكون السحيق.

المصدر : الجزيرة