قفزة في مجال الابتكار.. جلد ذكي يتغير لونه كالحرباء

تمتلك الحرباء قدرة فريدة على تغيير لونها وفق البيئة المحيطة بها (بيكسابي)
تمتلك الحرباء قدرة فريدة على تغيير لونها وفق البيئة المحيطة بها (بيكسابي)

محمد رمضان

يبدو أن العلماء قد أصبحوا أخيرا على الطريق الصحيح لتطوير جلد كجلد كالحرباء، حيث تمكن فريق من الباحثين بجامعة إيموري الأميركية من ابتكار جلد ذكي يمكن للونه أن يتغير استجابة للتغيرات بالبيئة المحيطة، كالحرارة وضوء الشمس.
 
بلورات فوتونية وهلام مائي
نشرت تفاصيل ذلك الابتكار في دورية "أي سي إس نانو" التابعة للجمعية الكيميائية الأميركية في منتصف سبتمبر/أيلول الجاري. حيث طوّر الباحثون جلدا اصطناعيا عبر استخدام بلورات فوتونية وهلام مائي (هيدروجل) بطريقة غير مسبوقة تم استلهامها من الحرباء. وبذلك يمكن لهذا الجلد تغيير لونه مع استقرار بنيته عبر الاحتفاظ بحجمه دون تغير، وهو ما كان يعد العائق الأساسي أمام تطوير جلد ذكي ذي لون متغير.

تمتلك العديد من الكائنات الحية القدرة على تغيير لونها تبعا للتغيرات في البيئة المحيطة بها، وتعد الحرباء أشهر تلك الكائنات على الإطلاق، وقد حاول العلماء جاهدين فهم تلك الظاهرة المدهشة بغرض محاكاتها، وهو ما لم يكن سهلا على الإطلاق. حيث إن لون جلد الحرباء لا يعتمد على الأصباغ اللونية كما هو الحال في غالبية الكائنات، بل يعتمد على جسيمات صغيرة للغاية تدعى البلورات الفوتونية.

تمتلك تلك البلورات خاصة فريدة للغاية، إذ إنها -رغم شفافيتها- يمكنها أن تعكس بعض الأطوال الموجية للضوء، وتسمح للبعض الآخر بالمرور عبرها بشكل يجعلها تبدو وكأنها تمتلك لونا خاصا بها.

ويعتمد ذلك اللون الظاهر -نتيجة لانعكاس أطوال موجية محددة لشعاع الضوء- على المسافة الدقيقة بين تلك البلورات الفوتونية. وتتواجد تلك البلورات بنمط معين متكرر على جلد الحرباء، مما يمكنها من تغيير لونها عبر التحكم بالمسافات بين البلورات لإظهار اللون المنشود.

تغير اللون مقابل تقلص الحجم
قام العلماء بمحاكاة ما يحدث في جلد الحرباء، وذلك عبر استخدام بلورات فوتونية مماثلة ودمجها في هلام مائي لتطوير جلد اصطناعي، ومن خلال توسيع أو تضييق حجم الهلام المائي يمكن التحكم في المسافات بين البلورات الفوتونية وبالتالي تغيير اللون، إلا أن ذلك التوسيع والتضييق -الشبيه بحركة آلة الأكورديون الموسيقية- تسبب في تغير حجم الجلد الاصطناعي بشكل كبير للغاية، يؤدي إلى عدم استقرار بنيته ومن ثم لا يمكن استخدامه.

عينة من الجلد الذكي على شكل ورقة شجر أثناء تغير لونها من الأصفر إلى الأخضر (مواقع إلكترونية)

يوضح ذلك خالد سليطة أستاذ الكيمياء بجامعة إيموري وأحد أعضاء الفريق البحثي -عبر بيان صحفي- قائلا: "يعمل العلماء في مجال البلورات الفوتونية منذ وقت طويل للغاية لتخليق جلد ذكي ذي لون متغير، لاستخدامه في العديد من التطبيقات. لكن لا أحد يرغب في جلد يتقلص حجمه بشكل ملحوظ لكي يتغير لونه!".

للتغلب على تلك العقبة، توجّه الفريق البحثي لدراسة أعمق للحرباء، لفهم كيف يمكن لها أن تغير من لونها اعتمادا على البلورات الفوتونية، وفي الوقت ذاته يظل حجمها كما هو دون أن يتغير.

لذا قام الباحثون بمشاهدة فيديوهات بالتصوير البطيء للتغير اللوني لجلد الحرباء، ليلاحظوا أن مصفوفات البلورات الفوتونية لا تغطي جلد الحرباء بشكل كامل بل تتوزع خلال مصفوفة مظلمة، وهو ما يمنح الحرباء القدرة على تغيير لونها مع بقاء الحجم كما هو.

المصفوفة المظلمة
ألهمت تلك الملاحظة الفريق البحثي بفكرة جديدة يمكن من خلالها تخليق جلد اصطناعي مثالي، حيث قام الباحثون بدمج بلورات فوتونية بهلام مائي كالطريقة المعتادة، ثم دمجوا ذلك الهلام المائي على شكل مصفوفات داخل هلام مائي آخر دون بلورات فوتونية. وبالتالي يمكن لتلك الطبقة الثانية من الهلام المائي أن تؤدي ذات الدور الذي تلعبه المصفوفة المظلمة في جلد الحرباء.

ولدى تعريض ذلك الجلد الاصطناعي الجديد لضوء الشمس الطبيعي لمدة عشر دقائق، تغير لونه بالفعل من الأصفر إلى الأخضر مع بقاء حجمه ثابتا دون تغيير، حيث قامت الطبقة الثانية للهلام المائي بتعويض التغير بالمسافات بين البلورات الفوتونية ليظل حجم ذلك الجلد الذكي كما هو.

ويعد ذلك الابتكار خطوة أولى على الطريق الصحيح لصناعة جلد ذكي يمكنه تغيير لونه وفقا للتغيرات البيئية، وهو ما يمكن استخدامه في العديد من التطبيقات المهمة في مجالات الاستشعار الكيميائي والتمويه ومكافحة الغش التجاري.

المصدر : الجزيرة