اكتشاف الاختلافات الجينية والدماغية المرتبطة بالعَسَر

تفضيل الإنسان لاستخدام إحدى يديه يعتمد على الشيفرة الوراثية التي يولد بها (بيكسابي)
تفضيل الإنسان لاستخدام إحدى يديه يعتمد على الشيفرة الوراثية التي يولد بها (بيكسابي)

طارق قابيل

للمرة الأولى على الإطلاق، تمكن الباحثون من تسليط الضوء على مناطق محددة من الجينوم البشري تظهر بعض السيطرة على العُسر أو العُسْران (الأعسر مستخدم اليد اليسرى)، ووجدوا روابط وراثية لاختلافات في بِنية أدمغتهم أيضا.

وتقطع هذه الدراسة الجديدة التي نشرت نتائجها في دورية "برين" يوم 5 سبتمبر/أيلول الجاري، والتي ضمت حوالي أربعمئة ألف سجل من سجلات قاعدة البيانات الوطنية بالمملكة المتحدة، شوطا طويلا للكشف عن تلك الاختلافات.

لقد ثبت بالفعل أن كون الإنسان أيمن أو أعسر يعتمد إلى حد ما -بحوالي 25%- على الشيفرة الوراثية التي نولد بها، ولكن حتى الآن لم يتمكن العلماء من تحديد جميع المناطق الوراثية المسؤولة عن ذلك على الجينوم.

اليد المهيمنة
تعرف اليد التي يفضل الشخص استخدامها باليد المهيمنة، ومن المعروف أن استخدام اليد اليمنى هو الأكثر شيوعا (لدى حوالي 88-92% من سكان العالم).

واستخدام اليد اليسرى أقل شيوعا، وهو شائع بصورة ما بين الرجال عن النساء، وتشير الإحصاءات إلى أن حوالي 10% من سكان العالم يستخدمون يدهم اليسرى.

ويرى البعض أن عقول مستخدمي اليد اليسرى منظمة بطريقة تسمح لهم باستخدام اللغة والمشاعر بطرق يحتمل أن تكون خلاقة، وقد يفسر ذلك تفوق عدد كبير من العُسْران في الموسيقى وفي القدرات الرياضية والحسابية.

ويمثل استخدام أحد اليدين نمطا وراثيا معقدا، وأشارت دراسة أجريت على التوائم عام 2006 أن الوراثة في استخدام إحدى اليدين تتمثل في نسبة تصل إلى حوالي 24%. ويشير العلماء إلى أن استخدام إحدى اليدين ناجم عن تفاعل جينات متعددة.

وقد قدر العلماء أن هناك حوالي أربعين موقعا جينيا تسهم في تحديد هذه السمة، وقد تلعب هذه المواقع دورا مهما في تطوير مراكز اللغة في الدماغ، وتطوير عدم تماثل المخ. 

جينات استخدام اليد اليسرى ترتبط ببيولوجية النمو في الدماغ والتفاعل المعقد بين العديد من الجينات (بيكسابي)

مزايا لفظية ولغوية
وفي الدراسة الحالية، وجد الباحثون أربع مناطق وراثية مرتبطة باستخدام إحدى اليدين، ثلاثة من هذه المناطق مرتبطة ببروتينات تشارك في بنية الدماغ وتطوره، وتتعلق هذه البروتينات بالهيكل الخلوي، وهو السقالات الموجودة داخل الخلايا الحية، والمسؤولة عن بنيتها ووظيفتها.

بمساعدة إجراء فحوص الدماغ لحوالي عشرة آلاف من المشاركين، ربط الباحثون الاختلافات الجينية بمسارات المادة البيضاء التي تعمل بين مناطق معالجة اللغة والتي تحتوي على الهيكل الخلوي للدماغ.

يقول الطبيب أكيرا ويبرغ المؤلف الرئيس للدراسة، والمختص في الجراحة التجميلية بقسم العلوم العصبية الإكلينيكية في مستشفى رادكليف في جامعة أكسفورد (لصفحة الأخبار والأحداث بموقع جامعة أكسفورد) "لقد درس العديد من الباحثين الأساس البيولوجي للعُسران، لكن استخدام مجموعات البيانات الكبيرة من البنك الحيوي البريطاني سمح لنا بإلقاء مزيد من الضوء على العمليات التي تؤدي إلى تفضيل استخدام اليد اليسرى".

وأضاف "اكتشفنا، في المشاركين العُسران، أن المناطق اللغوية للجانبين الأيسر والأيمن من الدماغ تتواصل مع بعضها بعضا بطريقة أكثر تنسيقا".

وهذا يعني أنه قد يكون هناك ميزة للذين يستخدمون اليد اليسرى عندما يتعلق الأمر بالمهام اللفظية والمهارات اللغوية، كما يشير ويبرغ، على الرغم من أن الأدلة على ذلك ليست قاطعة.

ليست حكرا على البشر
من المعلوم أن الاختلافات في الهيكل الخلوي لبعض الكائنات الأخرى -مثل لفائف قوقعة الحلزون- يمكن أن تتأثر بالوراثة، وكشفت إحدى الدراسات البريطانية عن أن هناك نسبة كبيرة من القطط تصل إلى 40% تستخدم يدها اليسرى، كما أن هناك 10% منها لديها مخلب قوي في اليد اليسرى.

ويقول الباحثون إن"السمات المميزة للتطور المستقبلي للعَسَر" قد تتطور في الرحم، إلا أن ما فعله البحث الأخير هو تسليط الضوء على العديد من الارتباطات المهمة التي يمكن البناء عليها، والتمهيد لمزيد من الدراسات الأخري.

لقد بدأنا أخيرا في فهم الترميز الجيني الذي يساعد في التأثير على أي يد لتصبح هي اليد المهيمنة. وقد يساعد ذلك في تبديد أي آراء عتيقة مفادها أن استخدام اليد اليسرى هو بطريقة ما دليل على أن الفرد الأعسر سيئ الحظ أو أدنى مكانة من مستخدم اليد اليمنى.

ويقول دومينيك فورينس أحد أعضاء الفريق البحثي، وهو أستاذ مشارك في علم الوراثة الجزيئية بجامعة أكسفورد، "لقد أثبتنا هنا أن استخدام اليد اليسرى هو نتيجة لبيولوجيا النمو في الدماغ، مدفوعة جزئيا بالتفاعل المعقد بين العديد من الجينات". ويستطرد "إنه جزء من النسيج الغني الذي يجعلنا بشرا".

المصدر : مواقع إلكترونية