هل تشتم أسماك القرش حقا رائحة الدم؟

معظم الناس يعتقدون أن أسماك القرش قادرة على شم رائحة قطرة دم في المحيط من على بعد ميل (بيكسلز)
معظم الناس يعتقدون أن أسماك القرش قادرة على شم رائحة قطرة دم في المحيط من على بعد ميل (بيكسلز)

لطالما تخيل الناس أن هجوم سمكة القرش يكون بسبب قطرة دم تسربت من خدش في أصابعهم نحو المياه المالحة. ولا تتجاوز هذه التخيلات مجرد صورة نمطية تقوم على أن هذه الأسماك تمتلك قدرات خارقة، كما جاء بمقال للكاتبة كارلي ليرنر نشرته مجلة ريدرز دايجست الأميركية.

وأضافت الكاتبة أنه في العصر الذي باتت فيه أنواع سمك القرش معرضة للخطر بسبب الأنشطة البشرية، يجدر بنا امتلاك فهم أفضل لهذه الكائنات قبل أن يفوت الأوان. ويبدو التساؤل جليا حول ما إذا كانت أسماك القرش تشتم الدم في المحيط، وما معنى وجودها بالنسبة للبشر.

هل يشم القرش الدم في الماء؟
قالت عالمة الأحياء البحرية ورئيسة جمعية المحافظة على المحيطات في لوس أنجلوس، مادالينا بيرزي، إن أسماك القرش قادرة على شم رائحة الدم في المحيط، فهي تمتلك شعورا عميقا بالرائحة. والجدير بالذكر أنها تستخدم هذه الميزة في اكتشاف الفرائس النافقة أو تلك التي تعاني من بعض الجروح.

ونقلت الكاتبة عن بيرزي قولها إن "خياشيم أسماك القرش تحتوي على خلايا حساسة تستخدم بشكل حصري في عمليات الشم. وعندما يتدفق الماء إلى الخياشيم تتفاعل المواد الكيميائية مع المستقبلات في هذه الخلايا الحسية ثم ترسل بعض الإشارات إلى الدماغ، لتتمكن بذلك من الكشف عن المواد الكيميائية في المياه".

أسماك القرش تخشى البشر بشكل يتجاوز خشية البشر لها (بيكسابي)

أما بالنسبة للأشخاص الذين لا يستوعبون هذه المفردات التي تعنى بالعلوم البيولوجية، فإن كل ما في الأمر أن أسماك القرش لديها شعور قوي بالرائحة ويمكنها اكتشاف كميات صغيرة من المواد الكيميائية في الماء، بما في ذلك الدم. وغالبا ما تعتمد هذه الأسماك على هذه القدرات لإيجاد فرائسها، لكن ذلك لا يعني أنها قادرة على شم كل مكان في المحيط.

إلى أي مدى يمكن لسمكة القرش شم الدم؟

بفضل أفلام مثل "هجوم القرش"، يعتقد معظم الناس أن أسماك القرش قادرة على شم رائحة قطرة من الدم في المحيط من على بعد ميل واحد، لكن الحقائق العلمية تكشف عدم وجود قدرات خارقة للطبيعة في أجساد القروش. في شأن ذي صلة، توضح عالمة الأحياء بيرزي أنه رغم اختلاف أنواع أسماك القرش، فإن معظمها قادر على اكتشاف الروائح في المياه بتركيز جزء واحد لكل 10 مليارات، لكن ذلك يعتمد على المادة الكيميائية.

وتضيف بيرزي أن جزءا من بين 10 مليار يكون بمثابة قطرة دم في حمام سباحة، ومعنى ذلك أن القرش يجب أن يكون قريبا من قطرة الدم في المحيط حتى يكون قادرا على شمها. وفي الآن ذاته، فإن القرش بارع للغاية في تعقب الرائحة بمجرد مرورها عبر خياشيمه.

ويرى مايك برايس، الوصي المسؤول عن العناية بمتنزه "عالم المياه" في سان دييغو، أن الأمر سيان بالنسبة للبشر الذين يعيشون على اليابسة، فهم قادرون على شم رائحة مركزة من على بعد أميال. ولفهم ذلك، يمكننا تخيل وجودنا قرب حريق أو مكب نفايات، حيث تحمل الريح جزيئات الرائحة لمسافات طويلة.

وأضاف برايس "على نحو مشابه، لا تحتاج أسماك القرش سوى الوجود في مسار جزيئات الرائحة التي تتضاءل خلال انتقالها بواسطة التيارات البحرية، لتقوم بعد ذلك بتتبع هذه الرائحة لمسافات طويلة".

هل تبحث أسماك القرش عن دم الإنسان؟

بينت الكاتبة أن فكرة بحث سمك القرش عن الدم البشري تعتبر إحدى أبرز المعتقدات الخاطئة إزاء مملكة الحيوان. وتقول بيرزي حيال هذا الشأن إنه "عند الحديث عن أسماك القرش، من المهم أن نضع بعين الاعتبار أن بضعة أنواع تشكل خطرا على الإنسان من بين المئات منها". ففي الولايات المتحدة، يزيد خطر الموت بفعل صاعقة برق عن خطر الموت بهجوم قرش بحوالي 30 ضعفا.

ونقلت الكاتبة عن بيرزي قولها إن أسماك القرش تخشى البشر بشكل يتجاوز خشية البشر لها. ولعل ما يثير الدهشة هو أن الإنسان يعتبر الكائن الأكثر فتكا بهذه الأسماك، ففي حين يقتل القرش أقل من 20 شخص كل عام، يقتل البشر عددا يتراوح بين 20 مليونا و100 مليون سمكة قرش سنويا من خلال أنشطة الصيد.

علاوة على ذلك، كلما اصطدم قرش ما بقارب صيد يجب على الحيوان الخوف على نفسه وليس العكس. وفي حال استطاع القرش شم رائحة دم إنسان، لا يعني ذلك بالضرورة أن وقت العشاء قد حان بالنسبة إليه، فهذه المفترسات عادة ما تبحث عن فرائسها المفضلة، التي لا مكان بينها للإنسان.

كلما اصطدم قرش ما بقارب صيد، يجب على الحيوان الخوف على نفسه وليس العكس

مادة هلامية
وإذا ما عجزتَ عن تصديق المعتقد القائل إن هذه الأسماك لا تتوق إلى الدم البشري، يجب أن نفكر أيضا في حقيقة أن الرائحة ليست الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تجد بها أسماك القرش فريستها. واستنادا إلى ما ذكرته الدكتورة جيزيل مونتانو عن فريق متنزه "عالم البحار" للأبحاث، تمتلك القروش مساما على أنوفها الممتلئة بمادة هلامية، تمكنها من اكتشاف الحقول الكهربائية التي تحدثها الكائنات الأخرى عند تحركها في الماء.

إن لم يكن ذلك كافيا، تمتلك أسماك القرش "خطا جانبيا" من الخلايا التي تساعدها على الشعور بحركة المياه وتياراتها، فضلا عن سمع قوي يساعدها على اكتشاف الأصوات التي تعجز الأذن البشرية عن سماعها والتي تبعد عنها عدة أميال. وللقروش أعين رائعة تمكنها من الإبصار في الظلام.

إن المفارقة الأبرز حيال قدرات أسماك القرش هي أنه في حال رغبت هذه الكائنات في البحث عن البشر وتقفي أثرهم واصطيادهم، فيمكنها استخدام حواسها العادية عوضا عن الاعتماد على حاسة الشم فقط.

وخلصت الكاتبة إلى القول إن الأفلام التي تتضمن مشاهد هجوم أسماك القرش مسلية بحق، لكنها لا تمثل قدرات جميع أنواع هذه الأسماك.

المصدر : مواقع إلكترونية