رسائل من تحت القشور.. آيات التواصل بين أجنة الطيور

أجنة الطيور والزواحف والحشرات تنصت لأصوات العالم الخارجي وهي في البيوض (دوارتي فرادي)
أجنة الطيور والزواحف والحشرات تنصت لأصوات العالم الخارجي وهي في البيوض (دوارتي فرادي)
أحمد الديب

مثلما تبدأ الأجنة البشرية في التقاط الأصوات وهي لا تزال بعد في أرحام أمهاتها، يكشف لنا العلم أن أجنة الطيور والزواحف والحشرات تبدأ أيضا في الإنصات إلى أصوات العالم الخارجي لاستكشافه وجمع المعلومات الضرورية عنه قبل الخروج من البيوض.

وكشفت دراسة نشرتها مجلة "نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن" حقائق جديدة مدهشة فيما يتعلق بتفاصيل التواصل بين أجنة طيور النورس أصفر الساق.

وقد وقع اختيار الباحثين في علم البيئة السلوكي بجامعة فيجو الإسبانية، خوسيه نوجويرا وألبرتو بيلاندو، على النورس أصفر الساق عينة للدراسة، لما يعرف عنه من إطلاقه لصيحات تحذيرية خاصة ومميزة إذا رأى إحدى المفترسات (مثل حيوان المنك) وهي تدنو من بيضه، وثبت أنها تصل إلى أسماع بعض الأجنة في بيضها، فتبدأ هذه الأجنة المدركة على الفور في الاهتزاز داخل البيوض لنقل التحذير حركيا إلى الأشقاء الذين لم تتطور أسماعهم بعد.

النابهون والغافلون
وجمع فريق البحث تسعين بيضة من أعشاش النوارس بالسواحل الصخرية لجزيرة سالفورا الإسبانية، وقسموها في حضانات إلى مجموعات من ثلاث بيضات، عرضوها لمؤثرات مختلفة.

فبينما تعرضت بعض المجموعات إلى إذاعة دورية لتسجيلات صيحات التحذير الوالدية فاستجابت الأجنة المنصتة بالاهتزاز حتى تضمن إبلاغ الرسالة للإخوة الغافلين، وأبقيت مجموعات أخرى بمنأى عن رسائل التحذير، وأحيطت ببث مستمر لضجيج أبيض (وهو يشبه الصوت الذي يخرج من التلفاز حين لا يلتقط أية قنوات).

وهكذا أصبحت لدى فريق البحث فئتان من فراخ النوارس، فئة تتضمن الفراخ "النابهة" التي أنصتت إلى التحذيرات ونبهت لها إخوتها، وأخرى من الأشقاء "الغافلين" تماما الذين لم يستمع أحد منهم، فلم ينتبه منهم أحد.

وتقول ريبيكا كاليسي رودريجز الباحثة في سلوك الطيور بجامعة كاليفورنيا ديفيز والتي لم تشارك في الدراسة إن أية معلومات من البيئة المحيطة تتسرب إلى وعي الحيوان قبل مجيئه إلى العالم، سيكون لها أثر كبير بإعداده لمواجهة العالم الذي سيخرج إليه.

لكن المذهل حقا في هذه الدراسة هي أنها تكشف عن قوة التواصل بين الأشقاء وأثره بالشكل الذي يؤثر بدرجة هائلة على تطور شخصياتهم وبالتالي مصائرهم.

تم إجراء الدراسة على النورس أصفر الساق (مواقع التواصل)

مضمار السباق
وفي مقالهما المعلق على الدراسة والمنشور في دورية نيتشر، تقول الباحثتان مايلين مارييت وكاثرين بيوكانن، إن فراخ النورس التي عرضت -سواء بشكل مباشر أو غير مباشر- لتسجيلات صيحات التحذير ظهرت عليها آثار عديدة للنمو السلوكي (كسرعة رد فعل الانحناء لتفادي الخطر، والميل إلى إصدار ضجيج أقل) والفسيولوجي (كارتفاع نسب هرمون الكورتيكوستيرون الذي يفرز في حالات التوتر).

بينما لم يظهر شيء من تلك الآثار على فراخ المجموعات "الغافلة" التي لم تستقبل التحذيرات في طور الأجنة، الآثار التي قد يكون الفرق بين ظهورها وغيابها هو عين الفرق بين الحياة والموت.

ورغم أن الكيفية التي يحدث بها هذا التواصل العجيب بين جنين وآخر لم تزل محتجبة عن أعين العلم، فإن نوجويرا وبيلاندو يأملان في المضي قدما لاستكشاف مزيد عن إدراك هذه الأجنة.

هل تدرك مثلا أعداد إخوتها في العش، وهل تدرك نوعيات المخاطر المحدقة في بيئتها، وهل هناك من أنواع الطيور ما تدرك أجنته في البيوض أن المخاطر قد تنتظرها داخل العش نفسه، وأن ثمة سباقا محموما سيبدأ عما قريب بينها وبين إخوتها على مصادر الطعام؟ هذه الأسئلة وغيرها تبقى أجوبتها -حتى الآن- مستورة تماما خلف قشور الكلس.

المصدر : الجزيرة