العوالق النباتية تتناقص منذ الثورة الصناعية بسبب الاحترار

العلماء توصلوا إلى دليل على تراجع إنتاج العوالق النباتية بسبب ارتفاع درجات الحرارة (ويكيميديا)
العلماء توصلوا إلى دليل على تراجع إنتاج العوالق النباتية بسبب ارتفاع درجات الحرارة (ويكيميديا)

آسيا ضياء

العوالق النباتية أو الفايتوبلانكتون (phytoplankton) نباتات دقيقة لا ترى بالعين المجردة تتخذ من أسطح المحيطات والأنهار والبحيرات سكنا لها، ولا تستوي حياة جل الكائنات البحرية بدونها؛ إذ إنها تعمل على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء، كما أنها أساس السلة الغذائية في الحياة المائية.

وتعتمد إنتاجية العوالق على بعض الظروف، منها ثاني أكسيد الكربون، وضوء الشمس، ودرجة ملوحة المياه وعمقها وحرارتها، وسرعة الرياح، وتوافر المواد الغذائية اللازمة، مثل: النيترات، والسليكا والكالسيوم والفوسفات. وإن توافرت الظروف الملائمة تنمو العوالق النباتية بوتيرة سريعة وفعالة.

في الوقت الراهن، وجد باحثون من معهد "إم.آي.تي" للتقنية بالتعاون مع باحثين من معهد وودز هول لعلوم المحيطات بالولايات المتحدة الأميركية في دراستهم -التي نشرت في دورية نيتشر في السادس من مايو/أيار الماضي- دليلا على تراجع إنتاجية البلانكتون في القطب الشمالي بنحو 10% منذ منتصف القرن 19، أي مع بداية الثورة الصناعية، وبالتزامن مع الارتفاع التدريجي في درجات الحرارة.

يقول ماثيو عثمان الباحث الرئيسي في الدراسة في البيان الصحفي للدراسة: "إن ثمة دلائل تشير إلى احتمالية استمرار الانخفاض في إنتاجية العوالق، وهذا يعود إلى ارتفاع درجات الحرارة الناتج عن تغير المناخ.

وأضاف "لقد خسرنا 10% من طعامنا، مما يعني أنه مع تقلص القاعدة الغذائية فضلا عن الزيادة السكانية، فإننا حتما عند نقطة ما سنشعر بضراوة المشكلة".  

جزيرة غرينلاند
استخدم عثمان وفريقه البحثي حمض سلفونيك الميثان ليتسنى لهم تتبع أنماط إنتاجية العوالق النباتية؛ ففي حال ازدهار العوالق وتكاثرها، ينبعث ثنائي ميثيل الكبريتيد -بواسطة ميكروبات محددة- إلى الطبقات العليا من الغلاف الجوي على هيئة رذاذ (هباء جوي)، ومن ثم يتحلل إلى كبريتات الهباء الجوي أو حمض سلفونيك الميثان الذي يترسب في نهاية الأمر في البحر أو تحمله الرياح إلى اليابسة.

العوالق النباتية لا يمكن رؤيتها منفردة بالعين المجردة لكن عند تجمعها بكميات كبيرة بدرجة كافية يمكن أن تظهر على شكل لون أخضر يطفو على المياه (ويكيميديا)

وبخلاف الكبريتات (التي تتميز بوفرة مواردها)، فإن المصدر الوحيد لإنتاج حمض سلفونيك الميثان هو ثنائي ميثيل الكبريتيد ومصدره العوالق النباتية، وهذه الحقيقة أقرها العلماء تقريبا منذ ثلاثين عاما.

وأكد عثمان "إننا واثقون تمام الثقة من أن أي قياس لنسبة حمض سلفونيك الميثان يعني بالضرورة أن مصدره العوالق فحسب". 

توجه الباحثون صوب الشمال إلى جزيرة غرينلاند (أكبر جزيرة في العالم وتقع بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي) لقياس نسبة حمض سلفونيك الميثان في أعمدة جليدية يبلغ طول الواحد منها بين مئة ومئتي متر.

وأوضح عثمان "أن هذه الأعمدة تتألف من طبقات جليدية رسوبية متراصة بعضها فوق بعض، تكونت عبر القرون الماضية من الثلوج المتساقطة". وأجرى الفريق البحثي تحليلا لـ12 عمودا جليديا، جمعت بواسطة العديد من الفرق البحثية منذ عام 1980 من مختلف المواقع في جزيرة جرينلاند.

الآثار المتعاقبة
وجد الفريق البحثي عقب تحليل الأعمدة الجليدية أن تركيزات حمض سلفونيك الميثان تراجعت تراجعا واضحا بالتزامن مع بداية الحقبة الصناعية وظهور مشكلة الاحتباس الحراري وغازات الدفيئة. وهذا التراجع في نسبة حمض سلفونيك الميثان يعد انعكاسا لانخفاض إنتاجية العوالق النباتية في شمال المحيط الأطلسي.  

وبحسب عثمان، فإن تراجع إنتاجية العوالق النباتية "لا يعتمد على ارتفاع درجات الحرارة فحسب، بل يعتمد أيضا على التيارات المحيطية التقلبية في المحيط الأطلسي، التي تمزج طبقات المحيط العميقة بالسطحية، فتسمح بتوفير العناصر الغذائية التي تحتاجها العوالق.

وفي السنوات الأخيرة، اكتشف العلماء أدلة تفيد بأن تقلب التيارات ذلك بات ضعيفا".

وفي تصريحات خاصة للجزيرة نت عبر البريد الإلكتروني، أشار عثمان إلى أنه رغم أن نتائج الدراسة تحمل في طياتها أخبارا سيئة، فإنها تحمل أخرى جيدة؛ "إذ من الجيد أننا تنبهنا لضرورة عدم التغاضي عن المشكلة وعدم التواني في بذل جل الجهود الممكنة لإيجاد حلول لها، وهذا ما نعمل عليه حاليا".

كما أشار إلى ضرورة تضافر الجهود لحل مشكلة تغير المناخ، التي هي أساس المشكلات البيئية التي نواجهها.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية