أفراس النهر تحمل السيليكون لتغذية الأسماك

أفراس النهر تسترخي خلال النهار في الأجزاء الهادئة من نهر مارا في كينيا (جوناس سكولينك)
أفراس النهر تسترخي خلال النهار في الأجزاء الهادئة من نهر مارا في كينيا (جوناس سكولينك)

محمد الحداد

تلعب أفراس النهر ومخلفاتها دورا مهما في النظام البيئي للبحيرات والأنهار في نطاقات السافانا بشرق أفريقيا عبر تناول كميات كبيرة من العشب الغني بالسيليكا ليلا، ثم التغوط في نهر مارا خلال النهار، ما يساعد في نقل السيليكون من الأرض إلى الماء، وهو أمر حيوي لصحة النظام البيئي في الأنهار والبحيرات.

وتتمتع أفراس النهر البرية بأسلوب حياة فريد، ففي الليل تأكل عشرات الكيلوغرامات من العشب الطازج في السافانا. وتقضي معظم أيامها بالاسترخاء معا في الأنهار أو البحيرات، بعيدا عن الأعداء ومحمية من أشعة الشمس الحارقة. وفي ظل برودة الماء، تصبح عملية الهضم نشطة، وبالتالي تلقى في المياه كميات هائلة من براز أفراس النهر، وفق الدراسة التي نشرت مؤخرا في مجلة "ساينس" وأعدها باحثون من جامعة "أنتويرب" البلجيكية ومركز الأبحاث الألماني لعلوم الأرض.

أجريت الدراسة التطبيقية بناء على رحلة استكشافية إلى نهر مارا الذي يبلغ طوله حوالي أربعمئة كيلومتر في محمية "ماساي مارا" الطبيعية في كينيا. وتعد نتائج الدراسة جديدة تماما، إذ كشفت لأول مرة عن العلاقة بين رعي الحيوانات البرية وعملية نقل السيليكون من الأرض إلى البحيرات. وهي عملية حاسمة بالنسبة للنظام البيئي لمياه الأرض برمتها.

مضخات السيليكون
يوضح "جوناس شولينك" عالم الأحياء من جامعة "أنتويرب" والمؤلف الرئيس في الدراسة، أن أفراس النهر تختلف عن غيرها من حيوانات الرعي الكبيرة في السافانا، فالعناصر الغذائية في براز معظم حيوانات الرعي تنتهي إلى حد كبير في السافانا مرة أخرى، حيث يتم استيعابها من قبل النباتات. لكن ليست هذه هي الحال مع أفراس النهر، فهي بمثابة نوع من مضخات المغذيات من الأرض إلى الأنهار والبحيرات.

أفراس النهر تستهلك 800 كيلوغرام من السيليكون يوميا من خلال النباتات، وينتهي المطاف بـ400 كيلوغرام منها في المياه (جوناس سكولينك)

وتنقل أفراس النهر يوميا حوالي نصف طن من السيليكون العضوي من اليابسة إلى المياه. ويعد السيليكون العضوي أحد المغذيات المهمة للنبات والحيوان، كما يمكن لأفراس النهر التي ترعى الأعشاب في السافانا الأفريقية أن تستهلك حوالي ثمانمئة كيلوغرام من السيليكون يوميا من خلال النباتات، وينتهي المطاف بأربعمئة كيلوغرام منها في المياه.

والسيليكون مهم كذلك للطحالب الطافية (الدياتومات لبناء أصداف السيلكا الخاصة بها، حيث تعيش هذه الطحالب أحادية الخلية في الماء (الدياتومات) وتنتج الأكسجين وتشكل أساس السلسلة الغذائية في العديد من النظم البيئية للمياه. ويقول الباحثون إنه في حالة حدوث نقص في السيليكون يمكن أن تنهار أعداد الطحالب الطافية، مع عواقب خطيرة على شبكة الغذاء بأكملها في البحيرة أو النهر المعنيّ.

عالم دون أفراس النهر
وقد حلل الباحثون التركيب النظائري للسيليكون في عينات من النباتات والمياه، وبراز فرس النهر في المختبر، لتحديد البصمة الكيميائية لهذه المواد الثلاث، وإعادة بناء مسار انتقال السيليكون.

ونظرا للتراجع المتواصل في أعداد أفراس النهر في شرق أفريقيا، فإن هذا النظام البيئي في خطر، وعلى المدى الطويل قد يؤدي هذا إلى نقص الغذاء في بحيرة فيكتوريا على سبيل المثال.

ويقول الباحثون إن عدد أفراس النهر في أفريقيا انخفض بشكل كبير في السنوات الأخيرة بسبب الصيد وفقدان الموائل، وبالتالي فقد فقدت وظيفتها باعتبارها مضخات للسيليكون جزئيا. وفي العقود الأخيرة، انقرض ما يصل إلى 90% من أفراس النهر في أفريقيا.

ويمكن لبحيرة فيكتوريا التي يتدفق إليها نهر مارا البقاء على قيد الحياة لعدة عقود باستخدام إمدادات السيليكون الحالية، ولكن على المدى الطويل ربما تكون هناك مشكلة، طبقا لنتائج الدراسة.

وإذا لم تحصل الطحالب الطافية على ما يكفي من السيليكون ستستبدل بها طحالب الآفات التي تتسبب بإحداث تأثيرات ضارة على النظام البيئي في الأنهار والبحيرات، مثل نقص الأكسجين ومن ثَم موت كثير من الأسماك والأحياء البحرية، ويترتب على ذلك مشكلة نقص الغذاء بالقرى المشاطئة لبحيرة فيكتوريا التي تعيش على صيد الأسماك من البحيرة.

المصدر : الجزيرة