الاحترار العالمي يدفع الغابات القطبية للنمو تحت الجليد

نماذج من نباتات غابات أعشاب البحر القطبية (إلسيفير)
نماذج من نباتات غابات أعشاب البحر القطبية (إلسيفير)

محمد الحداد

يعد القطب الشمالي أحد أسرع الأماكن تغيرا على وجه الأرض، وهو منطقة مهمة جدا لفهم مدى وحجم التغيرات الكوكبية وتأثيراتها على النظم البيئية. ومع ذلك، فإن فهمنا للنظم البيئية الساحلية في القطب الشمالي لا يزال محدودا، كما أن الآثار المترتبة على تغير المناخ المستمر والمستقبلي فيها غير مستكشفة إلى حد كبير.

تعرف غابات أعشاب البحر بأنها الموائل المهيمنة على طول العديد من السواحل الصخرية في القطب الشمالي، حيث توفر البنية والغذاء للأنواع المهمة اقتصاديًا وبيئيا. وتمثل منطقة القطب الشمالي الكندية وحدها 10% من سواحل العالم.

خريطة الخطر
وفي دراسة نشرت حديثا في مجلة "غلوبال آند بلانيتري تشينج" جمع باحثون من جامعات نرويجية وأسترالية وكندية المعلومات المتوفرة عن توزيع وتنوع غابات عشب البحر في القطب الشمالي، وتقييم تأثير التغيرات الجارية في الظروف البيئية على مدى تغير هذه النظم البيئية الهامة وإنتاجيتها ومرونتها.

حدد الباحثون في الدراسة المناطق التي من المحتمل أن يتعرض فيها نطاق نمو غابات أعشاب البحر في القطب الشمالي إلى زيادة سريعة على المدى القصير بسبب انخفاض الغطاء الجليدي البحري وزيادة الإضاءة والاحترار العالمي. كما تعرضت الدراسة أيضا للمناطق التي يمكن أن يتأثر فيها عشب البحر سلبا من خلال ارتفاع مدخلات المياه العذبة وتآكل السواحل بسبب تراجع جليد البحر وذوبان التربة الصقيعية.

وفي مقال نشره على موقع "ذا كونفرسيشن"، قالت كيرن ديكستر -الباحثة الرئيسية في الدراسة والباحثة في جامعة لافال الكندية- إن تغير المناخ يغير الموائل البحرية مثل غابات عشب البحر على نطاق عالمي. ففي غرب أستراليا، وشرق كندا، وجنوب أوروبا، وشمال كاليفورنيا، وشرق الولايات المتحدة، يختفي عشب البحر بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

 أعشاب البحر تشكل غابات تحت مياه البحر القطبية (إلسيفير)

وتشير الدراسة إلى أنه في بعض المناطق شهدت غابات عشب البحر في القطب الشمالي تحولات مفاجئة في النظام البيئي الخاص بها بسبب تغير التفاعلات البيئية أو تغير الظروف البيئية.

وأوضح الباحثون أن أعشاب البحر قد تكيفت مع الظروف الجليدية القاسية التي منحت النباتات قدرات خاصة للبقاء على قيد الحياة في درجات الحرارة المتجمدة وفترات طويلة من الظلام، حتى إنها تنمو تحت الجليد البحري. وفي المناطق ذات المياه الباردة الغنية بالمغذيات، يمكن للنباتات الحصول على أعلى معدلات الإنتاج الأولى لأي نظام بيئي طبيعي على الأرض بفضل وفرة المغذيات.

موئل بيئي مهم
تتسم دراسة أعشاب البحر في البيئة القطبية بأهمية كبيرة، إذ إنها تسد الكثير من الفجوات المعرفية الرئيسية عن هذا النوع من النباتات، ومجتمعات الحيوانات التي تعيش فيها بوصفها أهم الموائل، إضافة إلى دورها في تنظيم شبكات غذاء الكائنات البحرية.

إن سد هذه الفجوات وتحديد أولويات البحث بشكل إستراتيجي في مجالات التغير البيئي السريع سيمكن من إدارة أكثر فعالية لهذه الموائل المهمة، والتنبؤ بشكل أفضل بالتغيرات المستقبلية في النظم البيئية الساحلية التي تدعمها والخدمات التي تقدمها، وفق توصيات الدراسة.

وقد سجلت الدراسة أطول عشبة من غابات أعشاب البحر في القطب الشمالي في كندا وبلغ طولها 15 مترا، وأعمق عشب بحري تم العثور عليه على عمق 60 مترا في خليج ديسكو في جرينلاند.

ويعيش أكثر من 350 نوعا حيوانيا مختلفا في النظام البيئي لنباتات أعشاب البحر، إذ يعتمد عليها الآلاف من الأسماك والطيور والثدييات. وتساعد غابات عشب البحر أيضا في حماية السواحل عن طريق تقليل قوة الأمواج أثناء العواصف والحد من تآكل السواحل.

ويحذر الباحثون من زيادة معدلات تراجع التربة دائمة التجمد -التي تجمدت منذ آلاف السنين- لتصل إلى مقدار نصف متر في السنة. ويؤدي ذوبان التربة الصقيعية والسواحل المتجمدة في القطب الشمالي إلى إلقاء الرواسب في المياه الساحلية بمعدلات تنذر بالخطر، مما يحجب الضوء وقد يحد من نمو النبات. كما أن الجريان السطحي الناجم عن ذوبان الأنهار الجليدية سيقلل الملوحة ويزيد من التعكر، مما يؤثر على عشب البحر الصغير.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية