نبات الإبريق والزبابة.. من مكر الافتراس إلى كرم الضيافة

نبات نيبينثس راجا الذي كان مفترسا (ويكيميديا)
نبات نيبينثس راجا الذي كان مفترسا (ويكيميديا)

أحمد الديب

للوهلة الأولى التي سيرى فيها هواة وثائقيات الحياة البرية ملامح نبات الإبريق (Pitcher plant)، سيخمنون فورا أنهم أمام نبات آكل للحوم. لكن هذا النبات طور تقنياته بصورة لم تكن متوقعة من قبل.

زبابات الشجر
يمتلك نبات الإبريق من نوع نيبينثس راجا (Nepenthes rajah)، الذي يستوطن غابات بورنيو، إبريقا ضخما مخيفا يستطيع استيعاب لترين تقريبا من المياه، وترسانة هائلة من غدد إفراز الرحيق، مما يغري بتوقع ظهور حشرة كبيرة يجذبها الرحيق فتحط رحالها على حافة الإبريق الدبقة وتنزلق بلا عودة في الهاوية المليئة بالعصارات الهاضمة.

لكن التوقعات تتبخر سريعا عندما تتسلل إلى النبات واحدة من زبابات الشجر (Treeshrew) -حيوان صغير من الثدييات يشبه الخلد- فنتساءل إن كان نبات الإبريق قادرا على الإيقاع أيضا بثدييات صغيرة، وليس بالحشرات فقط.

تقترب الزبابة وتبدأ في لعق غطاء الإبريق الغني بالرحيق، ونترقب زلة القدم في الفخ المشرع لكنها لا تحدث. وتملأ الزبابة معدتها بالعصارة الحلوة ثم ترحل في سلام، لكن المفاجأة هنا هي ما تركته خلفها، ففي جوف إبريق النبات تركت الزبابة غنيمتها الغنية بالغذاء، قطعة صغيرة من فضلاتها.

الزبابة الزبون المفضل لنبات الإبريق العملاق (ويكيميديا)

يُرمَى فيَرمِي
أعتقد أننا نحتاج الآن إلى إعادة تأمل بيت الشعر العربي الذي يدعو سامعه إلى أن يقتدي بالنخل الذي "يُرمى بصخر فيرمي أطيب الثمر"، فقد كشف لنا العلماء مؤخرا أن هذا النوع من نبات الإبريق -الذي يعد من أكبر النباتات المفترسة في العالم- قد طور علاقة تكافلية سلمية تماما مع زبابات الشجر التي ترمي إليه بفضلاتها فيمنحها أطيب الرحيق.

تلك العلاقة التي لم يمط العلم اللثام عن أسرارها المدهشة سوى في العقد الأخير فقط -رغم مرور 150 عاما على اكتشاف النبات- دفعه إليها فيما يبدو تناقص أعداد فرائسه التقليدية من الحشرات، فتطورت ملامح حافته من مزالق مهلكة للحشرات إلى مقاعد مراحيض مريحة للزبابات، تسمح لأجسادها الصغيرة بالتشبث بالحواف جيدا بلا خوف من الانزلاق، لتجلس في راحة واسترخاء لأطول فترة ممكنة تنهل من الغذاء الحلو وتلقي في المقابل بالفضلات المغذية في جوف الإبريق لتنزلق داخل عصاراته الهاضمة.

الفضلات التي تُشبع حاجة النبات من عناصر أساسية كالفسفور والنيتروجين، الذي قد توفر الفضلات منه نسبة تتراوح من 75 إلى 100% من احتياج النبات الضخم، الذي اكتسب في الغالب ضخامته هذه كضمان لتحمُّل وزن الزبابات من جهة، ولإنتاج كميات رحيق كبيرة تكفي لملء بطونها من جهة أخرى. 

دعوة بميعاد
وقد وجد العلماء أن لنباتات الإبريق لغة لونية خاصة يتفاهم بها مع الزبابات، فلا تتخذ حواف الإبريق الداخلية لونها البنفسجي القاتم إلا بعد تمام البلوغ، والوصول إلى الصلابة الكافية لتأمين الزبابة من السقوط ونفسها من فقدان زبائنها المفضلة.

تلك الإشارة اللونية التي تدرك الزبابة ما تحمله من دعوة مفتوحة إلى قضاء وقت ممتاز في التمتع بطعام فاخر والجلوس في ارتياح بالغ يدفعها إلى التفكير في قضاء حاجتها، طلبا للمزيد من الراحة من ناحية، وإعلانا للمنافسين من ناحية أخرى أن هذا الإبريق قد صار ملكية خاصة.

قد تبدو تلك العلاقة العجيبة كحالة شاذة فريدة، لكن هناك نوع آخر من نبات الإبريق (اسمه نيبينثِس هِمزليانا N. hemsleyana) يرتبط بعلاقة مشابهة للغاية مع نوع من الخفافيش يلجأ إلى الإبريق لا كمطعم بل كفندق ينام فيه ويقضي فيه حاجته كذلك، وهو ما يعتبره النبات ثمنا معقولا جدا لتأجير إبريقه الكبير المريح.

الثمن الذي يبرر أن يتخلى مفترس عن طبيعته القديمة وأسلحته المسلولة، ويحاول الوصول إلى صيغة تفاهم وتبادل منفعة مع جيران من المخلوقات، تبحث -ككل كائن حي- عن أفضل الطرق لقضاء الحاجات.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية