لأول مرة.. علماء يجرون تجارب كمومية على المادة المضادة

المادة المضادة أشبه بانعكاس المادة التي تعرفها في المرآة (يورك الرت)
المادة المضادة أشبه بانعكاس المادة التي تعرفها في المرآة (يورك الرت)

شادي عبد الحافظ

أعلن فريق بحثي مشترك من جامعات إيطالية وسويسرية عن تمكنهم -للمرة الأولى- من اختبار استجابة "البوزيترونات" (وهي إحدى جسيمات المادة المضادة) لتجربة كمومية شهيرة تقيس الخواص الجسيمية والموجية للأجسام دون الذرية.

المادة المضادة هي أشبه ما يكون بصورة في المرآة للمادة التي نعرفها، والتي تكوّن كل شيء بداية من النجوم وصولا إلى هاتفك النقال.

تتكون ذرّات المادة العادية من أنوية تحوي بروتونات موجبة ونيوترونات متعادلة، وتدور حولها إلكترونات سالبة، أما جسيمات المادة المضادة فلها نفس خصائص جسيمات المادة، لكن مع وجود شحنات مختلفة.

المادة المضادة
فالبوزيترونات -على سبيل المثال- هي الجسيمات المضادة للإلكترونات، ولها نفس التركيب لكن بشحنات موجبة.

لذلك فإن أي لقاء يحدث بين المادة والمادة المضادة سيؤدي إلى فناء كل منهما وانطلاق قدر من الطاقة، وهو ما يجعل التجارب عليها حرجة وحذرة للغاية لأنها قد تتفاعل مع المادة الخاصة بأجهزة التجارب.

جسيمات المادة المضادة لها نفس خصائص جسيمات المادة لكن بشحنات مختلفة (بكسباي)

شق مزدوج
جاءت النتائج، التي نشرت مؤخرا في دورية "ساينس أدفانس" الشهيرة، لتقول إن البوزيترونات تعاملت في تجربة تسمى "الشق المزدوج" كالإلكترونات بالضبط، حيث كانت ذات خصائص جسيمية ومادية في الوقت ذاته.

تجربة الشق المزدوج هي -بتعبير ريتشارد فاينمان الفيزيائي الحاصل على نوبل- "الأحجية المركزية في ميكانيكا الكم".

وفي التجربة يحاول العلماء التأكد من طبيعة سلوك الإلكترونات؛ هل هي جسيمات، مثل كرات المادة، أم موجات كالضوء؟ لكنهم يفشلون في ذلك بشكل يبدو معه كأن الإلكترون، أو أي جسيم آخر، قد تواجد بمكانين في الوقت نفسه.

هذا التشابه بين السلوك الكمّي للمادة والمادة المضادة هو بالفعل ما تتوقعه فيزياء الجسيمات، لكن الفريق البحثي عبر عن أمله أن يجد أي اختلاف طفيف يمكن أن يفسر أحد أكبر أسرار الكون إلى الآن.

أسرار الكون
تفترض فيزياء الكونيات أن الكون لم يكن من المفترض أن يوجد بالشكل الذي نراه الآن؛ فالجسيمات الأولى بعد الانفجار العظيم نشأت في صورة عادية وأخرى مضادة، بنفس الكمّيات، ويقتضي ذلك أن يُفني كل منهما الآخر ولا ينمو الكون إلى وضعه الحالي.

لكن الواقع يقول إنه قد فعل؛ مما يعني أن شيئا ما قد أفنى المادة المضادة وأبقى على المادة فقط، تلك التي صنعت المجرات والنجوم والكواكب، ويفترض بعض العلماء أن ذلك قد يكون ذا علاقة بفارق طفيف بين خصائص نوعي المادة.

وبحسب الدراسة الجديدة، فإن الفريق البحثي قد أجرى تجاربه في معامل "كوبلاس" المشتركة بين جامعتي "برن" السويسرية و"بوليتيكنيكو ميلانو" الإيطالية، وخلال مئتي ساعة من تعريض البوزيترونات للتجارب ظهرت أنماط الموجات الصادرة منها كرفيقتها الإلكترونات.

أين ذهبت؟
ليست تلك هي المرة الأولى التي يحاول العلماء فيها عمل تجارب تتضمن المادة المضادة.

على سبيل المثال، أعلن باحثون من المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) تمكنهم من تخليق أول ذرة هيدروجين مضادة، وأعلنت المنظمة في 2018 بدء تجارب جديدة لاختبار خصائص الجذب للمادة المضادة.

ويفتح هذا المجال بابا واسعا جديدا لدراسة الخصائص الدقيقة للكون، لكن رغم أن تجربة فريق "كوبلاس" تعد تأكيدا للفيزياء التي تفترض أن للبوزيترونات نفس الخصائص الكمومية كبقية المادة، فإنها لم تجب بعدُ على أحد أشهر وأهم الأسئلة في تاريخ العلم: أين ذهبت المادة المضادة؟

المصدر : الجزيرة