حفرية بحرية عمرها ملايين السنين تتخذ اسمها من وحي الخيال العلمي.. تعرف عليها

صورة ثلاثية الأبعاد لكائن "سولاسينا كتولو" المكتشف حديثا (إليسا مارتن/متحف ييل بيبودي للتاريخ الطبيعي)
صورة ثلاثية الأبعاد لكائن "سولاسينا كتولو" المكتشف حديثا (إليسا مارتن/متحف ييل بيبودي للتاريخ الطبيعي)

أحمد الديب

تمتلئ أعمال كاتب الرعب والخيال الأميركي الشهير هوارد فيليبس لافكرافت بالأشياء التي لا وصف لها، لكن ما يستعصي حقا على الوصف هو مدى التأثير الكاسح الذي تركته أعمال هذا الرجل في عقول الكتاب والفنانين الذين قرؤوا له بعد رحيله عن عالمنا بنصيب محدود للغاية من الشهرة والنجاح المادي، قبل أن تبدأ بصمته على وجدان الثقافة الشعبية تظهر وتنمو إلى آفاق لم تكتف معها بتشكيل وعي أهل الفنون فقط، بل امتد سلطانها إلى عقول علماء الطبيعة أيضا.

وقد تجلى ذلك مؤخرا بعد اكتشاف علماء الإحاثة حفرية بحرية -في حالة ممتازة رغم عمرها الذي تجاوز حسب تقديراتهم 430 مليون سنة- بمقاطعة هيرفوردشير الإنجليزية تعود إلى كائن عتيق غير معروف من شعبة شوكيات الجلد (التي تنتمي إلى أفرادها المعاصرين كائنات مثل قنافذ البحر وخيار البحر ونجوم البحر) أطلق عليه الباحثون اسم "سولاسينا كتولو" (Sollasina cthulhu)، في إشارة مباشرة إلى أشهر الكيانات التي اختلقها خيال لافكرافت الجامح.

ويؤكد لافكرافت أن "كتولو" هو واحد من أهم "الآحاد القدامى العظام" الذين جاؤوا من خارج عالمنا منذ أزمنة لا تحصى، ليسودوا الأرض لحقب بلا عدد، قبل أن يذهبوا في إغفاءة قصيرة -بضعة ملايين من السنين بحسابات البشر- لكنهم سيعودون حتما ليستردوا ما كان لهم، أما "كتولو" فيرقد في مكان ما من أعماق بحار الأرض السحيقة المجهولة، يرسل عبر نومه رؤى مريعة إلى قلوب البشر وينتظر الساعة الموعودة.
كتولو كما تخيله لافكرافت ورسمه بنفسه عام 1934 (ويكيميديا كومونز)

الرعب في الرمال
لا يكاد قطر سولاسينا كتولو يتجاوز الثلاثة سنتيمترات، لكن هذا يعني -بمقارنة الأحجام، وبالنظر إلى مجساتها العديدة الطويلة- أنها كانت مسخا عملاقا مخيفا للأحياء المائية المعاصرة لها قبل 430 مليون سنة، خاصة بالنظر إلى أنها كانت تستخدم تلك المجسات -أو الأقدام الأنبوبية البالغ عددها 45- في مطاردة الفرائس زحفا فوق رمال القاع كما تفعل اليوم أحفادها من نجوم البحر.

ويقول الدكتور عمران رحمان نائب مدير الأبحاث في متحف جامعة أكسفورد للتاريخ الطبيعي والباحث الرئيس في الدراسة التي نشرت مؤخرا في دورية "وقائع الجمعية الملكية" المختصة بعلوم الأحياء "تنتمي سولاسينا كتولو إلى مجموعة قديمة منقرضة من شوكيات الجلد، وقد أتاحت لنا الحالة الممتازة للحفرية إمكانية الاطلاع لأول مرة على معلومات تخص الأعضاء الداخلية لهذه المجموعة، ومنها الحلقة الداخلية لتلك الكائنات التي لم توصف قط من قبل، وهو ما يجعلنا نمسك للمرة الأولى بدلائل مادية حول تركيب الأجهزة الوعائية المائية في هذه المخلوقات".

وقد تعاونت فرق بحثية عديدة لإنتاج صورة رقمية ثلاثية الأبعاد لحفرية سولاسينا كتولو بتصوير أنسجتها طبقة طبقة، ودمج صور الطبقات والشرائح كلها رقميا للحصول على ما وصفت بـ"الحفرية الافتراضية"، والتي أتاحت للباحثين رؤية الحلقة الداخلية (أحد أعضاء الجهاز الوعائي المائي للكائن المنقرض) وهو جهاز حيوي خاص بشوكيات الجلد يشبه الأجهزة الدورية في الحيوانات الأرقى، ويجري فيه الماء بدلا من الدماء.

ولا يزال العلماء عازمين على المضي قدما في استكشاف المزيد من تلك الكائنات البحرية العتيقة التي سادت الأرض لملايين السنين قبل أن تختفي في غموض، متجاهلين تحذير لافكرافت في ختام قصته "نداء كتولو" على لسان راويها الذي يقول "كل ما ينتصب الآن أمام أعيننا قد يغرق يوما، وما غيبه الغرق عن أنظارنا قد يطفو غدا، يرقد الهول رابضا في الأعماق، يحلم وينتظر، بينما تتفسخ حواضر البشر المتداعية، سيأتي زمان ولا بد.. لكنني لا أجرؤ حتى على التفكير، لا أملك سوى أن أرجو من منفذي وصيتي -إذا داهمني الأجل- أن يقدموا الحذر على الجسارة فيحرصوا على ألا تقع عين بشرية أخرى على ما سطر هنا".

المصدر : الجزيرة