هل بلغ الجدول الدوري حد الامتلاء؟

هل بلغ الجدول الدوري حد الامتلاء؟

مع التطور العلمي اكتشفت عناصر جديدة اصطناعية وأضيفت للجدول الدوري (بيكساباي)
مع التطور العلمي اكتشفت عناصر جديدة اصطناعية وأضيفت للجدول الدوري (بيكساباي)

الصغير الغربي

أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) العام 2019 سنة دولية للجدول الدوري للعناصر الكيميائية، بمناسبة مرور 150 عاما على وضعه من قبل الكيميائي الروسي ديمتري مندلييف. واعتمد هذا الجدول في الأوساط العلمية كأداة لضبط قائمة العناصر وتصنيفها حسب خواصها الكيميائية والفيزيائية.

ومع كل اكتشاف لعناصر جديدة يطرح العلماء على أنفسهم تساؤلا حول كم العناصر التي يمكن إضافتها إلى الجدول، وهل بلغ الجدول الدوري درجة الامتلاء، لكن دون إجابة قاطعة إلى اليوم.

في عام 1867 وضع عالم الكيمياء الروسي ديمتري مندلييف أول جدول دوري للعناصر الكيميائية بشكل متزامن تقريبا مع جدول ثان أنشأه الكيميائي الألماني لوثر ماير.

ونتيجة لذلك حصل كلا العالمين على ميدالية ديفي التي تسندها الجمعية الملكية البريطانية في عام 1882 اعترافا بأهمية تصنيف العناصر الكيميائية واستكشافها. 

وضم الجدولان في البداية ما بين خمسين وستين عنصرا كيميائيا معروفا آنذاك، قبل أن تضاف عناصر جديدة بشكل متواصل. وتم ترتيب العناصر فيهما حسب الخواص الكيميائية المشتركة، دون الاعتماد على العدد الذري الذي كان مجهولا في ذلك الوقت.

لكن جدول مندلييف كان الأوسع انتشارا في الوسط العلمي، خاصة مع احتوائه على عناصر غير مكتشفة في ذلك الوقت كان قد توقع وجودها.

هاجس الحد الأقصى
ولم يغب عن ذهن العلماء طوال القرن ونصف القرن الماضي هاجس الحد الأقصى من العناصر التي يمكن أن يحتويها الجدول الدوري. فوضعوا في مراحل مختلفة نظريات حوله، كان أولها ما أعلنه عالم الكيمياء الأميركي الكيميائي إليوت كوينسي آدمز في بداية القرن العشرين بأنه لا يمكن أن يكون لأي عنصر كيميائي وزن ذري أكبر من 256، وهو ما يعادل عددا ذريا (عدد البروتونات داخل النواة) تبلغ قيمته 99 أو 100.

كما توقع الكيميائي ريتشارد فاينمان لاحقا أن تكون هناك نهاية للجدول الدوري. وقال إن الذرة التي تحتوي على 137 أو أكثر من البروتونات لا يمكنها أن توجد لأنها تنتهك "النسبية الخاصة"، إذ إن وجود عدد كبير من البروتونات -ذات الشحنة الموجبة- يعني مزيدا من قوة سحب الإلكترونات التي عليها أن تدور بشكل أسرع كلما زاد حجم النواة. وسيكون عليها في لحظة ما الدوران بسرعة تفوق سرعة الضوء وهذا مستحيل.

وتبين لاحقا أن حسابات فاينمان كانت خاطئة رغم أن العناصر الثقيلة (العناصر الأثقل من اليورانيوم) تصبح أقل استقرارا، مما يجعلها مستحيلة الوجود لأكثر من جزء من الثانية. إذ إن أربعة عناصر فقط من بين العناصر التي يفوق عددها الذري 89 توجد في الطبيعة بشكل تلقائي.

العالم الياباني كوسوكي موريتا اكتشف مع فريقه العنصر 113، وهو من العناصر الثقيلة (رويترز)

في أثناء ذلك، تواصلت عمليات اكتشاف عناصر جديدة اصطناعية، وإضافتها إلى الجدول الدوري. فخلال العقد الماضي فقط أدرجت ستة عناصر ثقيلة جديدة تبلغ أعدادها الذرية (عدد البروتونات في النواة التي تحدد خواصها الكيميائية ومكانها في الجدول الدوري) بين 113 و118.

وهي تصنف كعناصر فائقة الثقل ذات خواص مختلفة عن العناصر الخفيفة، وتنتمي جميعها إلى الدورة (الصف) السابعة والأخيرة من الجدول الدوري. وهي تشكل الحدود العليا للكتلة والأعداد الذرية المعروفة اليوم، وقد تغير دراسة خواصها الفريدة طريقة فهمنا للفيزياء النووية والكيمياء. وهو ما سيؤثر بشكل كبير على كيفية الإجابة عن السؤال الجوهري: هل تم اكتشاف جميع العناصر الكيميائية؟

الإجابة لا تزال غير يقينية لكنها أكثر وضوحا من ذي قبل؛ إذ يتفق الكثير من العلماء على أن الإجابة تكون بنعم إذا كان المقصود بالسؤال العناصر الكيميائية الموجودة بشكل تلقائي على الأرض. رغم أنهم غير متأكدين بشأن وجود عناصر كيميائية غير معروفة في أرجاء أخرى من الكون.

أما إذا كان المقصود من السؤال العناصر التي يمكن أن توجد صناعيا، فإن الإجابة تكون بالنفي، وهو ما يعني أن المزيد من العناصر من المحتمل اكتشافها في المستقبل.

فمع التطور التكنولوجي في المستقبل، ستتمكن منشآت تسريع الجسيمات ومراكز بحوث الأيونات الثقيلة من اكتشاف المزيد من العناصر الثقيلة. قد يكون أولها العنصر التالي في الجدول الدوري ذي العدد الذري 119، والذي سيكون أول عنصر في الدورة الثامنة من الجدول.

لكن إلى أي حد سيتم ملء الجدول الدوري؟ الأمر لا يزال مجهولا.

المصدر : الجزيرة