هل ينجح العلماء بتشتيت أشعة الشمس لتبريد الأرض؟

باحثون في مختبر كيوتش بجامعة هارفارد يحاكون تجارب الجسيمات الحاجبة للشمس (مواقع إلكترونية)
باحثون في مختبر كيوتش بجامعة هارفارد يحاكون تجارب الجسيمات الحاجبة للشمس (مواقع إلكترونية)

عبد الحكيم محمود

تشير التقارير الواردة من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابع للأمم المتحدة "آي بي سي سي " إلى مخاطر كبيرة تنتظر العالم إذا لم يتحرك بسرعة لمواجهة الارتفاع العالمي في درجة حرارة الأرض نتيجة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وبحسب هذه التقارير، فان الهدف السابق في الحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة إلى أقل من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية هو أكثر خطورة مما يتخيله الكثيرون، حيث ستصبح كارثة كبرى على كوكب الأرض.

وإزاء هذه التقارير المخيفة فإن العلماء والباحثين يبحثون عن سبل وأساليب جديدة لمواجهة هذه التحديات ولإيجاد حلول تخفف حدة تلك الأضرار والكوارث المناخية المتوقعة، وذلك من خلال الدراسات التي تهدف إلى مكافحة التغير المناخي مثل دراسة الجسيمات الحاجبة لأشعة الشمس وتجارب تعتيم أشعة الشمس وغيرها من التجارب والدراسات التي تعتمد على ما تعرف بالهندسة الجيولوجية أو هندسة المناخ للحد من الاحتباس الحراري من خلال تقليد الثورات البركانية، وهي إستراتيجية ما زالت محل خلاف بين العلماء.

وفي هذا السياق، تأتي دراسة نشرتها المجلة المتخصصة "رسائل البيئة" في عددها الصادر في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 التي أجراها باحثون من جامعة هارفارد وجامعة ييل بعنوان "تكاليف حقن الهباء الجوي في الستراتوسفير خلال السنوات الـ15 الأولى من الانتشار".

التقارير الأممية ما فتئت تحذر من تداعيات الاحتباس الحراري (الجزيرة)

وتناولت هذه الدراسة تكاليف وسيناريو إطلاق كمية كبيرة من جزيئات الكبريتات "sulfates" إلى طبقة الغلاف الجوي للأرض (الستراتوسفير)، مما يؤدي إلى عكس نسبة من أشعة الشمس بعيدا في الفضاء، وتهدف هذه العملية لحجب الشمس بهدف التقليل من معدل ارتفاع الحرارة إلى النصف، وذلك محاكاة لبركان جبل بيناتو في الفلبين الذي اندلع عام 1991 وضخ ما يقدر بنحو عشرين مليون طن من ثاني أكسيد الكبريت في طبقة الستراتوسفير، وهي طبقة الغلاف الجوي التي تمتد من نحو 10 إلى 50 كيلومترا فوق سطح الأرض، حيث سبب الثوران ضبابا لجزيئات الكبريت التي تبرد الكوكب بنحو 0.5 درجة مئوية.

وحسب هذا السيناريو، سيتم نشر جسيمات الكبريتات في طبقة الستراتوسفير وذلك من خلال تطوير طائرات قادرة على التحليق على علو شاهق يصل إلى عشرين كيلومترا تقريبا لإطلاق جسيمات حاجبة لأشعة الشمس.

وقد قدرت تكاليف أسطول الطائرات بين 2 و3 مليارات دولار سنويا، وهي تكاليف لا تمثل إلا قدرا ضئيلا من عشرات التريليونات من الدولارات التي يتكبدها العالم سنويا نتيجة لأضرار التغير المناخي.

أما الدراسة الثانية فقد نشرتها دورية نيتشر في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 بعنوان "إجراء أول تجربة لتعتيم الشمس لتبريد الأرض"، وتتناول تجربة لمجموعة من علماء جامعة هارفارد أيضا تتلخص في رش مجموعة من الجسيمات.

فقد أورد الباحثون أنهم يستعدون لإطلاق بالون يحمل جسيمات من كربونات الكالسيوم في طبقة الستراتوسفير عام 2019 على أن يطلق البالون مئة غرام من كربونات الكالسيوم، وهي مادة كيميائية مضادة للحموضة، وتعد مرشحا مثاليا للاستخدام في تطبيقات الهندسة الجيولوجية لأن عملية المحاكاة أظهرت أنها قادرة على البقاء في الهواء لأعوام وهي تعكس الأشعة الشمسية.

أطراف وهيئات عدة عبرت عن مخاوفها من تطبيقات الهندسة المناخية في معالجة الاحتباس الحراري (الجزيرة)

وبعد أن يطلق البالون كربونات الكالسيوم سيتم استخدام نظام ليزري لمتابعة كيفية تشتت الجسيمات إن تم إطلاقها في كميات ضخمة. 

وقد وصف التقرير هذه التجربة بأنها ستكون الأولى التي تأتي ضمن تطبيقات الهندسة الجيولوجية الشمسية، لذا فهي تخضع لتدقيق مكثف من بعض خبراء البيئة الذين يقولون إن مثل هذه الجهود قد تشكل خطورة على البيئة.

وتأتي هذه الدراسات والتجارب في وقت أبدت فيه العديد من المؤسسات العلمية المتخصصة بدراسات التغير المناخي انتقاداتها ومخاوفها من تطبيقات الهندسة المناخية أو ما تعرف بتطبيقات الهندسة الجيولوجية، واعتبرتها لا تمثل حلا لمعالجة مشكلة الاحتباس الحراري والتغير المناخي.

وأصدر معهد تحليلات المناخ -وهو معهد دولي متخصص في علوم وسياسات المناخ ومقره بمدينة برلين الألمانية- تقريرا عن بعض جوانب تقنيات الهندسة الجيولوجية وهي إدارة الإشعاع الشمسي، جاء فيه أن هذه التقنيات لا تعالج دوافع التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية ولا تتعامل مع انبعاثات غازات الدفيئة، إضافة إلى ذلك ستكون لهذه التقنيات والتطبيقات تأثيرات على الدورة الهيدرولوجية العالمية وعلى حركة ومواسم الرياح، وسيكون لها تأثيرها في العديد من الاضطرابات الجوية الموسمية.

كما أشار التقرير إلى أن إدارة الإشعاع الشمسي لا تعالج بأي شكل المشكلة الخطيرة لتحمض المحيطات التي تهدد الشعاب المرجانية والحياة البحرية لأنها لا تخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وبالتالي تؤثر على تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

كما أن من شأنها أن تقوض إمكانات الطاقة المتجددة، وبما أنها تقلل كمية الإشعاع الشمسي التي تصل إلى سطح الأرض فإن إدارة الإشعاع الشمسي سوف تقلل إلى حد كبير أحد أكبر البدائل لتوليد الكهرباء من الوقود الأحفوري وهو الطاقة الشمسية.

المصدر : الجزيرة