البصمة الوراثية للعصر الحجري باقية في سكان شمال أفريقيا

البصمة الوراثية للعصر الحجري تتناقص في شمال أفريقيا من الغرب إلى الشرق (ناسا)
البصمة الوراثية للعصر الحجري تتناقص في شمال أفريقيا من الغرب إلى الشرق (ناسا)

الصغير محمد الغربي

أجرى فريق دولي من العلماء لأول مرة تحليلا للجينوم (الشريط الوراثي) الكامل لسكان شمال أفريقيا. وحددوا بصمة وراثية صغيرة لسكان المنطقة في العصر الحجري القديم، واستبعدوا بالتالي النظرية القائلة إن الهجرات الحديثة من مناطق أخرى محت تماما الآثار الجينية لشعوب شمال أفريقيا القديمة.

شارك في إنجاز الدراسة المنشورة في دورية "كرنت بايولوجي" في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، باحثون من جامعة بومبيو فابرا-برشلونة وجامعة تونس المنار وجامعة وهران الجزائرية والجامعة الأميركية ببيروت.

تطور مجال الجينوم بشكل كبير في السنوات الأخيرة وأصبح تحديد تسلسل الحمض النووي ميسور التكلفة بشكل متزايد. ونفذت مشاريع كبرى لدراسة الجينومات لمجموعات سكانية مختلفة في العالم، إلا أنه تم تجاهل بعض المجموعات مثل سكان شمال أفريقيا. وتعد هذه الدراسة الجينومية الأولى من نوعها التي تضع سياقا لهذه المنطقة من العالم.

بين الاستمرار والاستبدال
يختلف أصل سكان شمال أفريقيا وتاريخهم عن بقية القارة ويشبهون التاريخ الديموغرافي لمناطق خارج أفريقيا مثل الشرق الأوسط أو أوروبا أو آسيا. وتثبت بقايا الحفريات وجود البشر في المنطقة منذ أكثر من ثلاثمئة ألف سنة.

وقد أظهرت الدراسات الوراثية السابقة أن السكان الحاليين لشمال أفريقيا نشأوا نتيجة لعملية العودة إلى أفريقيا، أي الهجرات الأخيرة من الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا. ولطالما تساءل العلماء عما إذا كان الإرث الجيني قد استمر عبر الزمن بين السكان في مختلف الحقب التاريخية أم أن الجينات القديمة قد تم استبدالها نتيجة الهجرات المختلفة؟

المواقع التي أخذت منها عينات البصمة الوراثية في شمال أفريقيا (جامعة بومبيو فابرا)
فمن ناحية، يرى أنصار فرضية الاستمرارية أن سكان شمال أفريقيا الحاليين ينحدرون من مجموعات العصر الحجري القديم، أي أن هؤلاء البشر القدماء هم أسلاف السكان الحاليين للمنطقة.
 
في المقابل، يطرح علماء آخرون فرضية مختلفة مفادها أن السكان الذين كانوا موجودين في العصر الحجري القديم قد تم استبدالهم، وأن البشر الذين يعيشون حاليا في شمال أفريقيا هم نتيجة للهجرات الأخيرة التي وصلت إلى هناك في العصر الحجري الحديث.

في هذه الدراسة، قارن الباحثون البيانات الجينية لعينات من السكان الحاليين في شمال أفريقيا مع البيانات المنشورة أخيرا على الحمض النووي للبقايا الأحفورية الموجودة في مواقع مختلفة بالمغرب.

قبل 15 ألف عام
يكشف أستاذ الأنثروبولوجيا البيولوجية بجامعة بومبيو فابرا-برشلونة ديفد كوماس، الذي أشرف على الدراسة "أن السكان الحاليين في شمال أفريقيا هم نتيجة هذا الاستبدال لكننا اكتشفنا آثارا صغيرة لهذه الاستمرارية من العصر الحجري القديم، أي أن الاستبدال الكلي لم يحدث في سكان شمال أفريقيا".

ويضيف الباحث "نحن لا نعرف ما إذا كان المستوطنون الأوائل منذ ثلاثمئة ألف عام هم أسلافهم، لكننا اكتشفنا بصمات هذه الاستمرارية على الأقل منذ العصور القديمة، أي قبل 15 ألف عام أو أكثر".

ويقول الباحثون إن البصمة الوراثية لسكان العصر الحجري القديم في شمال أفريقيا فريدة لدى سكان شمال أفريقيا الحاليين وتتوزع بشكل متناقص من الغرب إلى الشرق في المنطقة، بما يتناسب عكسيا مع المكون القادم من الشرق الأوسط خلال العصر الحجري الحديث.

وتؤكد نتائج الدراسة أن الهجرات من مناطق أخرى مثل أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء إلى هذه المنطقة لم تمح الآثار الجينية لشعوب شمال أفريقيا القديمة.

تتناقض هذه النتائج لسكان شمال أفريقيا مع ما هو معروف عن القارة الأوروبية، حيث يوجد في العصر الحالي عنصر قوي من العصر الحجري القديم، أي أكثر استمرارية وأقل استبدالا مقارنة بمنطقة شمال أفريقيا.

ويعترف الباحثون أن العديد من البيانات الجينية لا تزال مفقودة -سواء من السكان الحاليين أو من البقايا الأحفورية- لتكون قادرة على تحديد تاريخ الجنس البشري.

ويقول ديفد كوماس "من أجل الحصول على صورة كاملة عن تنوع الجينوم البشري، لا يزال يتعين علينا إجراء قدر كبير من البحث".

المصدر : الجزيرة + وكالات