خرائط مكانية تساعد الذباب على الحركة والتجول

خليتان بصريتان في تشابك مع منطقة البوصلة الخلوية بالدماغ (يوريك ألرت)
خليتان بصريتان في تشابك مع منطقة البوصلة الخلوية بالدماغ (يوريك ألرت)

محمد شعبان

في دراستين مستقلتين نشرتا حديثا في دورية نيتشر في العشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري كشف العلماء عن الآلية التي من خلالها تستطيع خلايا البوصلة في الدماغ استخدام الإشارات البصرية لتمكين الذباب من إدراك الاتجاهات من حوله.

الدراسات قام بها علماء من معهد هوارد هيوز الطبي التابع لـ"جانيليا ريسيرش كامبس" وكلية الطب بجامعة هارفارد لدراسة الآلية التي تبني بها ذبابة الفاكهة الخرائط الذهنية للكون من حولها، وكيف يمكنها استشعار وتحديد الاتجاهات المختلفة.

خرائط ذهنية طيعة
بإجراء تعديلات على خلايا البوصلة العصبية في الدماغ استطاع العلماء اختبار إعادة صياغة استشعار الحشرات للاتجاهات من حولها، فبإضافة بضع معلومات بصرية جديدة تقوم ذبابة الفاكهة ببناء خرائط ذهنية جديدة للبيئة من حولها.

نظريا، فإننا نعرف قدرة الخرائط المكانية على تعديل نفسها استجابة للإشارات البصرية الجديدة، هذا ما تؤكده إيفيت فيشر -وهي مؤلفة مشاركة في هذه الدراسة من جامعة هارفارد- حسب ما نقله موقع "يوريك ألرت"، إلا أننا نجهل الآلية التي تحدث بها هذه الاستجابة طبقا لفيشر.

وتعقيبا على هذه النتائج، يقول سونغ سو كيم -عالم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا وقائد فريق الدراسة- إنها "تعطي نظرة جديدة ليس فقط عن الطريقة التي تبنى بها الخرائط المكانية المستقرة في الدماغ، بل الكيفية التي تجعلها مرنة أيضا للتأقلم مع أي تغيرات في المشهد المحيط".

ذبابة الفاكهة تستطيع بناء خرائطها الذهنية تماما مثل البشر (ويكيبيديا)

استشعار الاتجاهات
باستبصاره المعالم الموجودة من حوله يستطيع الذباب إعادة بناء خرائطه المكانية بالمثل كما يحدث في البشر، ففي بحوث سابقة أظهر فريق فيفيك جيارمان في جانيليا أن للذباب مجموعة من الخلايا العصبية التي تعمل كالبوصلة الخلوية والتي من خلالها يستشعر الذباب الاتجاهات من حوله.

فعندما توجد الذبابة في مكان جديد فإن هذا ينشط بعض الخلايا في منطقة البوصلة العصبية، وعندما تلتفت الذبابة يتغير ذلك النشاط العصبي ليعكس الاتجاهات الجديدة للذبابة مثل دوران مؤشر البوصلة كلما تغير موضعها لتبقى مشيرة في اتجاه الشمال باستمرار.

ويشرح جيارمان الآلية قائلا إن "البوصلة الخلوية تستجيب لحركة الذبابة حتى في الظلام الدامس، لكن الإشارات البصرية تمنح الذباب قدرة أكبر على استشعار الاتجاهات".

إذًا، فهذه البوصلة الخلوية تحافظ على مصدري المعلومات هذين، وهما حركتها المكانية والإشارات البصرية بشكل متزامن.

أحد التفسيرات تقترح أن كل الأعصاب البصرية تلامس منطقة البوصلة الخلوية في الدماغ، إلا أن بعض هذه الاتصالات أقوى من غيرها، بشكل يمكنها من بناء خريطة أقوى مما إن كانت هذه الاتصالات ضعيفة.

شكل التشابكات العصبية لمختلف الخلايا في الدماغ (بيكسابي)

وبالتالي فإن تكرار رؤية معلم معين في المجال المحيط يعزز الاتصالات بين البوصلة الخلوية والخلايا البصرية والتي تمثل مصدرا للمعلومات المحيطة.

وطبقا لهذا التفسير، نجد أن هذه الاتصالات طيعة للتغير بشكل مستمر، وبالتالي فإذا تغير معلم ما ليظهر في وضع مختلف فإن بعض الاتصالات ستضعف وسوف يعزز بعضها الآخر، ثم يتم تحديث الخريطة الذهنية لذبابة الفاكهة.

اختلاق خرائط مكانية مزيفة
أظهر كيم أن الذباب لا يحتاج إلى الالتفات في دائرة كاملة ليتمكن من صنع خريطته، إذ إن رؤيته لجزء من المشهد كانت كافية لبناء الخريطة المكانية.

ليس هذا فحسب، بل إننا نستطيع تعديل البوصلة الداخلية للذبابة من خلال التلاعب بالخلايا العصبية مستخدمين تقنية علم البصريات الوراثي (optogenetics)، وبذلك نستطيع عكس كل الخرائط عن طريق حث الخلايا العصبية بشكل كاذب عما يحمله الواقع حولها.

وربط العلماء هذا النوع من التعلم ببعض مناطق الدماغ المعروفة في الثدييات، إلا أن هذا الأمر يصعب دراسته بشكل منضبط في أدمغة الثدييات المعقدة، حسب ما يفسره ويلسون -من جامعة هارفارد- والذي يضيف قائلا "يعد هذا مثلا عمليا للآلية التي يتعلم بها الدماغ من تلقاء نفسه، وبدون أي معلم".

المصدر : الجزيرة