حلي من أسنان البشر في تركيا العصر الحجري

الثقب المخروطي الدقيق لاثنتين من الأسنان المكتشفة في تشاتالهوك بتركيا (دكتور سكوت هادو من جامعة كوبنهاغن للجزيرة)
الثقب المخروطي الدقيق لاثنتين من الأسنان المكتشفة في تشاتالهوك بتركيا (دكتور سكوت هادو من جامعة كوبنهاغن للجزيرة)

فكرت المهدي

اعتدنا رؤية رسومات لحيوانات على الجداريات الأثرية رمزا لأهمية الحيوانات آنذاك. وشاع استخدامها لأغراض الزينة أيضا، مثل استخدام أسنان وعظام الحيوانات لصناعة القلادات وحبات الخرز.

غير أن أحدا لم يتوقع استخدام أسلافنا للأسنان البشرية نوعا من الحلي، وهو ما عثر عليه فريق دولي حيث وجد ثلاث أسنان بشرية استخدمت قلادات تعود إلى العصر الحجري الحديث منذ ما يقارب 6500 عام مضت في مستوطنة " تشاتالهوك" الأثرية في قونية بتركيا.

ويبحث علماء الآثار حاليا فيما إذا كانت هذه الأسنان المستخدمة في صناعة الحلي قد أخذت من إنسان على قيد الحياة، أو أنها قد استخدمت على هذا النحو تذكارا من شخص ميت.

حلي من أسنان بشرية
قام الدكتور سكوت هادو من جامعة كوبنهاغن بمساعدة فريق دولي بتأريخ الأسنان المكتشفة للفترة ما بين 6700 إلى 6300 قبل الميلاد. وتم فحص الأسنان مجهريا وتصويرها إشعاعيا، وذلك بهدف الوصول إلى فهم أفضل للكيفية التي تم بها صنع الثقوب، ولماذا استخدمت تلك الأسنان البشرية ومن أين أتت؟ حيث تحتوي الأسنان الثلاث على ثقوب في منطقة الجذر.

وقد أظهر التحليل الإشعاعي أن جذور اثنتين من تلك الأسنان قد تم تشكيلهما ميكانيكيا على شكل مخروطي فيما يشبه الساعة الرملية وذلك باستخدام أداة ما للثقب، كما أنه تم تلميعهما بعد النحت. ويقدر الباحثون أن حفر الأسنان البشرية آنذاك كانت مهمة يقوم بها أشخاص لديهم المعرفة الكافية بالتكنولوجيا اللازمة وخصائص المواد، وطريقة استخدام الأدوات المناسبة.

ويتوقع الفريق أن اثنتين من تلك الأسنان قد تم استخدامهما بغرض الزينة لفترة زمنية طويلة، وذلك نظرا لظهور علامات التآكل عليهما.

كما يرجح الباحثون أنها تعود لأشخاص بالغين في منتصف العمر أو أكبر من ذلك، نظرا لظهورعلامات التآكل أيضا على سطح المضغ فيها. ولم يلحظ الفريق أي دليل على وجود آفة ما في تلك الأسنان، مما يقود إلى الاعتقاد بأنها ربما تكون قد اقتلعت عن عمد، ويرجحون أنها قد أزيلت بعد حدوث الوفاة.

وقد صرح الدكتور هادو للجزيرة بأن اثنتين من تلك الأسنان قد عثر عليهما في جدار مهدم وقد تم ثقبهما بحرفية، بينما لم يتم ثقب السن الثالثة التي عثر عليها في أحد القبور بالدرجة نفسها من الإتقان. 

مجموعة الأنثروبولوجيا في معرض الشعوب الأولى، متحف أونتاريو الملكي في كندا (ويكيميديا كومونز)

الحضارة في تشاتالهوك
تعود مدينة تشاتالهوك إلى العصر الحجري الحديث في الفترة الزمنية ما بين 7400 إلى 6200 قبل الميلاد وتقع في منطقة الأناضول الوسطى، في مقاطعة شومرا التابعة لمدينة قونية التركية. وقد أدرجت في قائمة اليونسكو للمعالم الأثرية عام 2012.

وشهدت هذه المستوطنة تغيرات وتطورات اجتماعية مهمة، بما في ذلك بداية الزراعة والصيد بوصفها مرحلة للانتقال إلى الحياة الاجتماعية المستقرة، التي تعد مرحلة مهمة في تطور البشرية. وتثير هندسة البيوت في تشاتالهوك دهشة العلماء، حيث تم بناء منازل جديدة فوق القديمة منها، وذلك بعد ردم المنازل القديمة، وبهذا بلغ ارتفاع الهضبة التي تم التنقيب فيها حوالي 21 مترا وهي عبارة عن طبقات ردم لمنازل قديمة. واكتشف العلماء 18 بيتا فيها.

وقد اقتصرت مواد البناء المستخدمة على الطوب والخشب والقصب.  ويتكون البيت من طابق واحد عبارة عن غرفة ومستودع. ويوجد موزع مشترك يضم حماما يخدم بيوتا عدة. وقد رسمت لوحات على الجدران المجصصة، باللون الأبيض والأصفر والأحمر والأسود.

كان الناس في تلك الفترة يشاركون في الزراعة وكذلك في الصيد والقنص. وهي أول مستوطنة تضم خطة المدينة في الجداريات. وقد وثق المؤرخون بدء مفهوم الملكية في ذلك الوقت بأختام مصنوعة من الطين.

وعلى الرغم من ندرة قلادات الأسنان في العصر الحجري الحديث، فإنها تحمل دلالة رمزية على الارتباط بصاحب السن، وربما تكون بمثابة تعويذة ما.

ويواصل الباحثون جهودهم في التنقيب عن مزيد من هذه الحلي في تشاتالهوك، وذلك في محاولة لفهم لغز استخدامها في ذلك الوقت.

وقد لخص الفريق نتائج دراسته في ورقة بحثية تنشر في دورية "جورنال أوف آركيولوجيكال ساينس" (Journal of Archaeological Science) لشهر ديسمبر/كانون الأول المقبل.

المصدر : الجزيرة