كيف تتكون محطات الفرز والتوزيع داخل خلايا الإنسان؟

تكون الإندوسومات وبقائها من خلال الآلية الخلوية المكتشفة (يوريك ألرت)
تكون الإندوسومات وبقائها من خلال الآلية الخلوية المكتشفة (يوريك ألرت)

محمد شعبان

تعمل خلايانا بشكل مستمر لإنتاج ومعالجة المواد المختلفة لإبقائنا على قيد الحياة؛ فعندما تدخل مادة جديدة للجسم، يبدأ غشاء الخلية الإحاطة بها مكونا شكل الحويصلة.

ثم تنفصل هذه الحويصلة -المحتوية على المادة المدخلة- عن غشاء الخلية متجهة إلى داخلها في عملية تعرف بالالتقام أو البلعمة؛ هنا تبدأ عملية أخرى باندماج هذه الحويصلة الخلوية مع الجسيم الداخلي "الإندوسوم"، الذي يعمل مثل "محطة للفرز".

قد تكون المواد المدخلة إلى الخلية غذائية، أو إشارات خلوية مهمة لمعالجة مواد أخرى، أو حتى فيروسات مسببة للأمراض. ومن ثم يعاد تدوير المواد المدخلة للخلية إما رجوعا مرة أخرى لغشاء الخلية ليتم إخراجها، أو بإعادة توجيهها إلى الجسيم الحال، الذي يحتوي على إنزيمات التحلل ليتم التخلص منها.

جسيم جولجي مفتاح اللغز
كان العلماء يرون أن تكون الإندوسومات وبقائها يعتمد على عملية التحوصل الخلوي الناتج عن اندماج الحويصلة الآتية من غشاء الخلية مع الإندوسوم. ومن ثم فإننا بحاجة ماسة لفهم الآلية الجزيئية التي تتشكل بها الإندوسومات وكيفية المحافظة عليها.

لذا فقد سلط العلماء من جامعة طوكيو باليابان ومعهد العلوم والتقنية في النمسا الضوء على هذه الآلية، إذ كشفوا في بحثهم -الذي نشر حديثا في مجلة "كوميونيكيشنز بيولوجي" في 15 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري- عن أن الحويصلات المنتقلة من جسيم جولجي -وهو أحد العضيات الخلوية المهمة- هي الأكثر أهمية لعملية تكون الإندوسومات وبقائها، وأن الحويصلات الخلوية القادمة من غشاء الخلية ليست بالأهمية ذاتها.

ويشرح الباحثون -ما نقله موقع "يوريك ألرت"- هذه العملية قائلين "لقد أظهرنا في بحثنا الحالي أن عملية الالتقام الخلوي ليست بالأهمية نفسها التي تلعبها الحويصلات الناتجة عن جسيم جولجي لتكوين الإندوسومات والحفاظ عليها".

عملية الالتقام الخلوي للمواد أو الفيروسات بواسطة غشاء الخلية (ويكيبيديا)

اختبار آلية تكون الإندوسوم
بنى العلماء نتائجهم على سلسلة من التجارب، التي بدأت بإحداث طفرات في خلايا الخميرة، ومن ثم استخدام هذه السلالات الطافرة لمعرفة آلية تكون الإندوسوم؛ إذ تحدث هذه الطفرات عيوبا في عملية الالتقام الغشائي، وبالتالي فإنها تؤدي إلى تعطيل عملية ابتلاع المواد عن طريق الغشاء الخلوي.

بمراقبة هذه الخلايا الطافرة، لاحظ العلماء وجود البروتين المسؤول عن تكون الإندوسومات، الذي يسمى "راب5" (Rab5)، مما يعني أن هذا البروتين اللازم لتكوين الإندوسومات قد تكون بالفعل حتى مع تثبيط عملية الالتقام الخلوي الناتج من غشاء الخلية.

وفي خطوة تالية، قام العلماء بتثبيط عملية النقل الخلوي لحويصلات جسيم جولجي وذلك بتعريض خلايا الخميرة لأدوية مثل البريفلدين-إي أو الموننسين. ولاحظ العلماء تكون كميات أقل من بروتين راب5، مما يعوق تكون الإندوسومات. وهذا يعني أن الحويصلات الناتجة عن جسيم جولجي هي المهمة لتكون الإندوسومات وبقائها.

وبإجراء تجارب أخرى مماثلة، اكتشف الفريق أن هناك بعض البروتينات -التي إما أنها جزء من جسيم جولجي أو تم استحضارها إليه- هي التي يتم نقلها من جسيم جولجي إلى الإندوسومات. وذلك لتفعيل بروتين راب5 لتحفيز تكوين الإندوسومات.

وبالتالي فإن حذف أو تثبيط أي من الجينات اللازمة لنقل البروتينات من جولجي قد يؤثر في نهاية المطاف على عملية تكون الإندوسوم.

أهمية النتائج الجديدة
بالنظر إلى هذه النتائج يبدو جليا أن عملية الالتقام ليست ضرورية لتكون الإندوسومات وبقائها، وأن نقل الحويصلات من جسيم جولجي هي الأهم لتكوين الإندوسوم؛ الأمر الذي يؤكده جيرو توشيما -الأستاذ بجامعة طوكيو وقائد فريق البحث- قائلا "تقدم هذه النتائج وجهة نظر مختلفة كليا عما كان يعتقد في السابق، وذلك باعتبار أن حويصلات جسيم جولجي هي اللاعب الرئيسي في تشكل الإندوسومات والمحافظة على وظيفتها".

ولأن الإندوسومات ضرورية لعمل الخلية، وبالتالي فإن فهم آلية تكونها وبقائها يعد أمرا بالغ الأهمية. وما زال هناك الكثير لم يتم اكتشافه حولها بعد؛ لذا فإن فهمنا للآلية التي تعالج بها الخلية المواد المدخلة إليها قد يعزز فهمنا للأمراض التي تنتج عن أية خلل بالإندوسومات، ومن ثم إيجاد علاجات أفضل لهذه الأمراض.

المصدر : الجزيرة