بدهاء أفتك من السم.. جرذان الماء تخلصنا من كابوس علاجيم القصب

جرذ الماء (الراكالي) بفرائه المقاوم للبلل (مواقع إلكترونية)
جرذ الماء (الراكالي) بفرائه المقاوم للبلل (مواقع إلكترونية)

أحمد الديب

في القارة الأسترالية المليئة بعجائب الحياة البرية، يعيش نوع فريد من القوارض يُعرف باسم "الراكالي" (جرذان الماء) التي تنشط ليلا وتمتلك أقداما لها أغشية وفراء مقاوما للبلل، مما يمنحها الدعم اللازم لإمضاء الكثير من الوقت بالمياه. وتحفر جحورها على ضفاف الأنهار والبحيرات وتعتمد في غذائها على الأسماك والقشريات والقواقع والضفادع، وغيرها من الكائنات المائية الصغيرة.

ومثل الكثير من أنواع القوارض، كان البشر يعتبرونها مصدر إزعاج. لكن دراسة نُشرت مؤخرا بدورية "أستراليان مامالوجي" حملت إلى الأستراليين مفاجأة قد تجعلهم ينظرون إلى جرذان الماء كأبطال، بعد الكشف عن أنها تستخدم دهاءها الفطري في استهداف علاجيم (ضفادع) القصب Cane Toads البالغة بعد غزوها لغرب البلاد واجتياحها مواطن جرذان الماء هناك.

بلا رادع
يعود التاريخ المظلم لعلاجيم القصب إلى عام 1935 حين استجلبها أستراليون من مواطنها الأصلية في أميركا الوسطى في محاولة مشؤومة للقضاء على تهديد الخنافس لمحاصيل القصب، وانتهت باجتياح العلاجيم شمال وشرق القارة بمعدل ستين كيلومترا جديدا كل سنة تفرض عليها هيمنتها في غياب أي روادع أو مفترسات من الثدييات أو الطيور أو الزواحف (حتى سحالي الورل والتماسيح) التي سرعان ما تعلمت -بعد تناقص أعدادها واختفائها بالكامل من مناطق بعينها- أن محاولة التهام تلك العلاجيم السامة ستنتهي بالموت العاجل.

علجوم القصب يمثلا كابوسا لسلطات أستراليا (بيكسابي)

وفي مسيرة غزوها التي لا تعرف الهوادة، كانت علاجيم القصب قد وصلت عام 2011 إلى الأراضي التابعة لمشروع كِمبرلي البحثي غرب البلاد حيث تبع وصولها كالعادة تناقص ملحوظ في صفوف العديد من أنواع السحالي والثدييات.

لكن الباحثين اكتشفوا هناك عام 2014 جدولًا امتلأ محيطه بجثث لعلاجيم قصب بالغة. كل صباح كانوا يعثرون -على بُعد أقل من خمسة أمتار من ضفاف الجدول- على ما قد يصل إلى خمس جثث طازجة، بجروح قطعية صغيرة متماثلة بالصدور. فما الذي يجرؤ على مهاجمة تلك المخلوقات الخطيرة، وبهذه الدقة الجراحية؟

على طاولة الجراحة
وقد أظهر التشريح أن القلوب والأكباد قد انتُزعت من جثث العلاجيم الأكبر حجما، مع استئصال دقيق للمرارة التي تحوي عصارة صفراوية سامة، أما في العلاجيم متوسطة الأحجام فقد لوحظ -مع اختفاء القلب والكبد- أن إحدى رجليها الخلفيتين، أو كليهما، قد سُلخت من جلدها السام والتُهمت. وبفحص علامات العض، مع الاستعانة بما أكدته الكاميرات الليلية، تبيَّن أن الفاعل ليس سوى جرذان الماء.

وبينما تتعرض أحيانا العلاجيم الصغيرة (والأقل سمية) لاستهداف القوارض والمفترسات الأخرى، كانت هذه الحالة الأولى التي يُرصد فيها استهداف أي نوع من الثدييات للعلاجيم الأكبر حجما، بترسانة سمومها الكاملة.

وبتحليل أحجام 1800 علجوم في المنطقة المحيطة بالجدول، تبين أن 94% منها متوسطة الحجم، و3.5% صغيرة، و2.5% بلغت أحجاما كبيرة (أطول من 10 سنتيمترات).

ورغم هذه الأغلبية الساحقة من العلاجيم المتوسطة، لاحظ الباحثون أن ثلاثة أرباع الجثث تقريبا كانت لعلاجيم من الحجم الكبير، والربع الباقي من الحجم المتوسط. ولم تُرصد حالة واحدة لاستهداف أي علجوم صغير.

ولا يدري العلماء حتى الآن الكثير عن الكيفية التي تعلمت بها جرذان الماء إجراء هذه الجراحات القاتلة لواحد من أشد أنواع المخلوقات فتكا وسمية، لكنهم يأملون في أن تتناقل الجرذان التي تقضي الكثير من أوقاتها في العناية بصغارها -فيما بينها- هذه المهارة التي قد يعد انتشارها بالخلاص من كابوس جلبه البشر يوما لأنفسهم حين تصوروا أن الطبيعة يمكن أن تسمح لهم بترويضها.

المصدر : الجزيرة