تجربة عملية.. أصوات قرود الأورانجوتان قد تنبئنا بأسرار تطور لغات البشر

بعض أنواع القردة العليا لها قدرات خاصة على التحكم في حناجرها بطريقة تشبه البشر (ويكيميديا)
بعض أنواع القردة العليا لها قدرات خاصة على التحكم في حناجرها بطريقة تشبه البشر (ويكيميديا)
أحمد الديب
 
لعل القدرة على الكلام تعد من أخص خصائص الإنسان، فلولاها لما تواصلنا ولا تعلمنا ولا تناقلنا الخبرات من جيل إلى جيل، لكن كيف بدأ الأمر حقا؟ ولماذا تفردنا به على هذا النحو؟ تبقى الإجابة عن أسئلة كهذه هدفا بعيد المنال للعلم البشري.

في رحلة السعي نحو الإجابة، قام الباحثان أدريانو لاميرا من جامعة سان أندروز، وروبرت شوماكر مدير حديقة حيوان إنديانابوليس بنشر بحثهما المشترك مؤخرا في دورية "ساينتفك ريبورتس"، الذي أشارت نتائج تجاربه إلى أن لدى بعض أنواع القردة العليا قدرات خاصة على التحكم في حناجرها، بطريقة تحمل الكثير من الشبه مع الطريقة البشرية.

حديث الأنغام
أخبرتنا التجارب التي أجريت على "روكي" و"كنوبي" (هما اثنان من قرود الأورانجوتان بحديقة حيوان إنديانابوليس) أن بإمكان الأورانجوتان العزف على آلة الكازو، وهي المهارة التي كان اعتقادنا السابق أنها حصرا على البشر.

يقول لاميرا إنهم اختاروا آلة الكازو لإجراء تجارهم لأنها -رغم تشابهها الظاهري مع آلات النفخ كالفلوت أو الصافرة- من الآلات الموسيقية الغشائية، ولن يكفي مجرد نفخ الهواء فيها لإصدار الأصوات؛ فلإخراج نغمات من الكازو يحتاج العازف إلى إصدار همهمات، أو التكلم فيها أثناء اللعب، لأن ما يحرك غشاء الكازو ويطلق أنغامه في الواقع هو دفقات الهواء الخارجة من حناجرنا أثناء تقطيع الكلام.

هناك دراسة لاحظت أن أمهات قرود الأورانجوتان تصدر صرخات تحذيرية لأطفالها عند وجود الخطر (ويكيميديا)

وأظهرت التجارب أن القردة أحرزت نجاحا في العزف على الكازو لم يستغرق أحيانا سوى بضع دقائق من تقديم الآلات إليها واستعراض كيفية اللعب عليها؛ (مما ينفي أيضا احتمالية أن يكون هذا النجاح وليد جهد تدريبي خاص)، وأن هذه النغمات التي خرجت من الكازو هي نتاج قدرة الأورانجوتان على التلاعب بترددات أصواتها وتقطيعها بصورة مقصودة، مما ينبئنا بأن القدرة على التحكم في الصوت عند هذه القردة قد تختلف عن القدرة البشرية من حيث الدرجة، لا من حيث المبدأ.

ويقول لاميرا إن التواصل البشري يعتمد في أساسه على اللغة، لكن مسألة نشأة اللغة لا تزال تستعصي على التفسير العلمي. ولهذا نأمل أن تبوح لنا القردة العليا بأسرار كيفية تطور اللغة، ويعد بحثنا هذا خطوة تشخيصية مهمة تؤكد قدرة القردة العليا على تعلم التحكم في أصواتها.

التفكير قبل الصياح
ورغم أن هذه النتائج ظهرت من خلال تجربة علمية أجريت على قرود في حديقة حيوان، فإن قردة الأورانجوتان التي تعيش في البرية قادرة أيضا على تغيير أصوات صرخاتها التحذيرية باستخدام أيديها أو أوراق النبات، لتضخيم أصواتها وتنويعها حسب نوع وخطورة المفترس المرصود.

بل إن هناك دراسة لاحظت أن أمهات الأورانجوتان قد تؤخر -عمدا- إصدار صرخات التحذير إن كان الخطر المحدق بأطفالها مفترسا بخطورة الببر السومطري، عندما يكون التزام الصمت التام هو أضمن وسيلة للدفاع، حتى يبتعد الببر بسلام، وتبدأ الأمهات في "الحديث" المذعور عما جرى قبل قليل، مما يكشف عن أن الأورانجوتان لا تمارس فقط التحكم في كلامها، بل لديها كذلك القدرة على الكلام عما حدث في الماضي!

ويعقب شوماكر أن هذه الدراسة تعيد تعريف مفاهيمنا عن أصول اللغات البشرية المنطوقة، كما تدعونا لإعادة النظر بشأن قدرات الأورانجوتان -وسائر القردة العليا الأخرى أيضا على الأرجح- التي يبدو أننا قللنا كثيرا من شأنها، ولمحاولة فهم وتقدير هذه المخلوقات الرائعة التي تواجه اليوم أصعب تحديات البقاء.

المصدر : مواقع إلكترونية