الكشف عن سر تشكل أكبر الكهوف البلورية في العالم

كهف نايكا البلوري في المكسيك لا يزال النظام نشطا داخله (ويكيميديا كومونز)
كهف نايكا البلوري في المكسيك لا يزال النظام نشطا داخله (ويكيميديا كومونز)

الصغير محمد الغربي

توصل باحثون إلى الكشف عن التاريخ الجيولوجي لأحد أكبر الكهوف البلورية في العالم يوجد داخل منجم قديم في إسبانيا والظروف التي أدت إلى تشكله قبل مئات الآلاف من السنين.

وقد تم اكتشاف هذا الكهف البلوري العملاق (يسمى جيود) في عام 1999 قرب مدينة بولبي (Pulpi) جنوب شرق إسبانيا، ويعتقد العلماء أنه واحد من أكبر هذه التكوينات في العالم، وتكسو جدرانه بلورات ضخمة شفافة تشبه كتل الجليد.

بلورات شفافة وحادة
إذا سافرت إلى ضواحي مدينة تدعى بولبي فستجد منجما مهجورا يسمى "مينا ريكا"، وتجد داخله وعلى عمق حوالي 50 مترا غرفة غريبة متلألئة لا تشبه أي مكان آخر على وجه الأرض.

هذه التحفة الطبيعية المذهلة هي "جيود بولبي" (والجيود هي تكوين جيولوجي ثانوي داخل الصخور الرسوبية والبركانية، عبارة عن صخور مجوفة دائرية غامضة)، وتبدو تلك الجيود من خارجها ككهف مدهش على شكل بيضة، أما من الداخل فتبرز من جدرانها نتوءات بلورية حادة ولامعة مثل أسنان في فم تنين.

ولا تبدو هذه الغرفة الكهفية واسعة من الداخل رغم أن حجمها الكلي يبلغ 11 مترا مكعبا، لكنها كبيرة بما يكفي لأن تتسع للعديد من الأشخاص في وقت واحد، عكس معظم تجويفات الجيود الأخرى.

ورغم اكتشاف الكثير من الكهوف البلورية المذهلة في أنحاء مختلفة حول العالم - وأبرزها كهف "نايكا" الشهير في المكسيك- فإن كيفية تشكل هذه التكوينات الرائعة ظلت مصدر حيرة للعلماء.

وهذ هو الحال بالنسبة لجيود بولبي الذي تم اكتشافه قبل 20 عاما فقط، وظلت الأصول الجيوكيميائية لبلوراته غير معروفة إلى حد كبير، بل يبدو أكثر غموضا من بقية الكهوف البلورية.

ويقول الجيولوجي وخبير علم البلورات في جامعة غرناطة خوان مانويل غارسيا-رويز المؤلف الرئيسي للدراسة الجديدة "إن الكشف عن كيفية تشكله مهمة صعبة جدا، لأنه على عكس "نايكا" الذي لا يزال النظام المائي الحراري نشيطا في داخله فإن جيود بولبي العملاق هو بيئة متحجرة".

 مشهد داخلي لكهف بولبي البلوري (ويكيميديا كومونز)

كيف تشكلت؟
في البحث الجديد -الذي نشر في دورية "جيولوجي" في الخامس عشر من شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري- سعى غارسيا رويز وفريقه إلى إعادة بناء التاريخ الجيولوجي لجيود بولبي، وتحليل عينات من معادنه ودراسة بيئته الجيوكيميائية، إضافة إلى رسم خرائط تفصيلية للتراكيب الجيولوجية للمنجم الذي توجد داخله هذه الغرفة البلورية.

ووفقا للباحثين، فإن بلورات الجبس (سيلينات) داخل الجيود تشكلت من خلال "آلية التغذية الذاتية" لإمدادات مستمرة من الملح متأتية من تحلل الأنهيدريت (الشكل غير المائي من كبريتات الكالسيوم).

وتحدث هذه العملية عند درجة حرارة تبلغ حوالي 20 درجة مئوية، ويتم تضخيمها بظاهرة حرارية تدعى "نضوج أوستوالد" تتمثل في توالي عمليتي تحلل البلورات الصغيرة ثم ترسبها من جديد على بلورات أكبر نتيجة تغير درجة الحرارة داخل الجيود.

وبعد الكشف عن كيفية تشكل البلورات داخل هذه الغرفة الكهفية كان على العلماء البحث عن الحقبة التي تكونت فيها.

ورغم أن النقاء الشديد للبلورات الموجودة داخل الجيود يجعل من الصعب تحديد تاريخ تشكلها بدقة فإن الباحثين يعتقدون أنها نشأت بعد فترة جفاف البحر المتوسط التي حدثت قبل 5.6 ملايين عام.

ويرجح غارسيا-رويز أن يكون هذا الحدث قد وقع "قبل أقل من مليوني عام وأكثر من 60 ألف عام، وهي الفترة التي تشكلت خلالها قشرة الكربونات التي تلف إحدى أكبر بلورات الجبس".

هذه الحقبة الطويلة جدا من الزمن قد تحفز باحثين آخرين على العمل من أجل تحديد زمن تشكل هذه التكوينات بشكل أكثر دقة في المستقبل كما يقول مؤلفو الدراسة.

المصدر : الجزيرة