كيف حسب الفلكيون سعة الكون بـ92 مليار سنة ضوئية؟

أبعد مجرات الكون المرصودة حتى يومنا هذا تبعد عنا 13.39 مليار سنة ضوئية (ويكيميديا)
أبعد مجرات الكون المرصودة حتى يومنا هذا تبعد عنا 13.39 مليار سنة ضوئية (ويكيميديا)

هاني الضليع

من المعلوم أن أفضل القياسات الفلكية الكونية لعمر الكون حتى الآن هي 13.8 مليار سنة ضوئية، وهي التي حصل عليها تلسكوبا سبتزر وهابل الفضائيان، من خلال الصور التي التقطاها للكون عبر مسيرتهما التي امتدت أكثر من عقدين حتى الآن.

بين عمر الكون وسعته
ولحظة الولادة تلك هي ذاتها التي يسميها العلماء الانفجار العظيم أو (البيغ بانغ) التي نشأ معها الكون. فقد افترض علماء الكونيات -وفقا لأرصاد التلسكوبات التي جمعت منذ عام 1928 وحتى يومنا هذا- أن الكون انفجر من نقطة صغيرة جدا تدعى نقطة التفرد، فولد منها الكون بجميع مادته المرئية والمظلمة وأبعاده المعلومة والخفية.

ولاحظوا أن المجرات تبتعد عن بعضها البعض، وأن درجة حرارة الكون تعادل ثلاث درجات مطلقة، أي سالب 270 درجة مئوية، إضافة إلى أنهم وجدوا أن نسبة الهيليوم إلى الهيدروجين في الكون هي نفس تلك النسبة المحسوبة، وهذه البنود الثلاثة هي الأصول التي قامت عليها نظرية الانفجار العظيم، وأثبتت الأرصاد الفلكية صحتها، لتنتهي إلى أن عمر الكون يجب أن يكون ذلك الرقم المحسوب أعلاه، وهو 13.8 مليار سنة.

بيد أن سعة الكون مفهوم يختلف عن عمر الكون؛ فصحيح أن أبعد المجرات المرصودة وجدت حتى اليوم على بعد 13.39 مليار سنة ضوئية (مجرة جي إن-زد11)، أي أنها نشأت بُعيد الانفجار العظيم بنحو أربعمئة مليون سنة فقط، لكن الحسبة التي عملت لسعة الكون تختلف عما نراه بمراصدنا، فعرض الكون يبلغ -حسب أحسن التقديرات- نحو 93 مليار سنة ضوئية، وهو رقم يفوق عمر الكون بنحو سبع مرات، فكيف ذلك؟

تلسكوب هابل الفضائي سمي كذلك تيمنا بإدوين هابل مكتشف توسع الكون (ويكيميديا)

الانزياح نحو الأحمر
بعد أن لاحظ الفلكي إدوين هابل عام 1928 أن الكون يتمدد بابتعاد المجرات، وضع العلماء قانونا يعرف باسم قانون هابل، ويربط سرعة ابتعاد المجرة بمسافتها التي تفصلها عنا بوحدة قياس اسمها الفرسخ الفلكي (الفرسخ يعادل 3.26 سنوات ضوئية، والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة وتعادل 9.46 تريليونات كيلومتر).

ووجد العلماء -وفقا لقانون هابل- أنه كلما ابتعدت المجرة زادت سرعتها، وأطلقوا على هذه الظاهرة اسم الانزياح نحو الأحمر؛ كناية على أن طيفها ينزاح نحو اللون الأحمر إن كانت مبتعدة، ونحو الأزرق إن كانت مقتربة، ومنها حسبوا السرعات المختلفة التي تدور بها النجوم والكواكب حول نفسها، وعرفوا إذا كانت مقتربة أو مبتعدة عنا.

لكن قانون هابل أعلاه تحده قيمة كونية قصوى جعلها ألبرت آينشتاين أحد أصلين من أصول نظريته النسبية، وهي أن سرعة الضوء (300 ألف كيلومتر/ثانية) هي السرعة القصوى في الكون، ولا يمكن لأي جسم أن يبلغها مهما أعطي من طاقة.

ألبرت آينشتين صاحب مبدأ سرعة الضوء نهائية في الكون (ويكيميديا)

الحد هو سرعة الضوء
وعليه، فإن قانون هابل -الذي يعبر عنه بثلاثة رموز فقط (السرعة = ثابت هابل × المسافة)- سيحسب مسافة قصوى لأي جسم يتحرك في الكون بسرعة الضوء أو قريب منها، إذ بعد ذلك تختفي المجرات فلا تعود ترى (نظريا) أبدا، وكأن الكون توقف عند تلك النقطة.

وبحسبة بسيطة لهذه المسافة بعد تعويضها في قانون هابل؛ نجد أن قيمتها تعادل نحو 45.9 مليار سنة ضوئية يمنة، ومثلها يسرة، أي أن قطر الكون يعادل 91.8 مليار سنة ضوئية يزيد قليلاً أو ينقص حسب قيمة ثابت هابل المستعمل في المعادلة أعلاه (القيمة الأحدث له حسب أرصاد تلسكوب هابل الفضائي وجامعة شيكاغو لسنة 2019 هي 69.8 كيلومترا/ثانية/ميغا فرسخ).

ولا شك أن أحدا لم ير ولن يرى مجرة تقع عند مثل هذه المسافة، إذ لو كانت كذلك لاستغرق زمن وصول ضوئها إلينا 45.9 مليار سنة، وهو أكبر من عمر الكون ذاته، بل إن أقدم مجرة مرصودة لم ترق إلى عمر الكون نفسه، ولن تفعل.

لماذا التناقض؟
في الحقيقة لا تناقض في الحسبتين، فكلتاهما صحيحة؛ فالمجرات التي نشأت بعيد الانفجار العظيم ورصدتها كاميرات تلسكوبي سبتزر وهابل الفضائيين أرسلت منذ تلك اللحظة ضوءها ليسافر في الفضاء الشاسع، ومع سفر الضوء بعد مغادرته مجرته، استمرت المجرات في التباعد؛ فالكون يتسع ويتمدد بسبب الطاقة المظلمة التي تكسبه هذه الحركة، والتي لا يمكن الجزم إن كانت ستنتهي فيتوقف الكون عن التمدد يوما، أو أنه سيظل كذلك إلى أبد الآبدين. 

ولأن سرعة التوسع للمجرات البعيدة جدا -حسب قانون هابل- كبيرة جدا، فإن أطراف الكون اتسعت عبر الـ14 مليارا من عمر الكون بشكل جعلها تبلغ مسافة الكون المحسوب لها، فمواقعها الجديدة غير مرئية أبدا، وما نراه من صورها هو تلك المواقع التي كانت عليها يوم أرسلت ضوءها في الفضاء، فوصلنا بعد زمن طويل جدا.

المصدر : مواقع إلكترونية