حتى في عالم القرود.. أدنى السلم الاجتماعي أقصر عمرا وأكثر مرضا

أنثى مكاك ريسوسي من النوع الذي أجريت عليه الدراسة (ويكيبيديا)
أنثى مكاك ريسوسي من النوع الذي أجريت عليه الدراسة (ويكيبيديا)

محمد شعبان

كشفت دراسة حديثة أجريت على القردة أن مجتمعاتها لا تختلف كثيرا عن المجتمعات البشرية حيث يعيش من يقعون في أسفل السلم الاجتماعي عمرا أقل وحياة أكثر مرضا ممن هم في أعلاه. إلا أن المثير في الدراسة هو أن الضغوط المصاحبة لحياة الطبقة الأدنى لها آثار صحية تبقى على المدى الطويل حتى وإن حاول الترقي الاجتماعي تعديلها.

وإن طال العمر وتغير الوضع
أجرى الدراسة التي نشرت يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول الجاري في دورية "بناس"، فريق من الباحثين في جامعة ديوك وجامعة شيكاغو على 45 من إناث قردة "مكاك ريسوسي"، حيث تم وضعها في مركز يركس البحثي الوطني للرئيسيات في أتلانتا.

وسلط العلماء الضوء على أن التجارب الاجتماعية الصعبة تظل محفوظة ويظهر تأثيرها في الحالة الصحية على المدى الطويل طبقا للدراسة. فرغم أن بعض القردة صعدت في الهرم الاجتماعي، فإنها أظهرت -على المستوى الخلوي– آثارا مرتبطة برتبتها الأدنى التي كانت عليها في السابق.

وضعت إناث قردة المكاك في مجموعات، وحاولت الإناث التسابق فيما بينها للحصول على رتبة أعلى لكل منها ومن ثم تأسيس طبقية اجتماعية في تلك المجموعة، بحيث تحظى الأنثى المهيمنة -وهي بالطبع على قمة الهرم الاجتماعي- على كل ما تريد، كما أنها أولها في الحصول على الغذاء والمكان والتزاوج وتوجيه الأوامر لإظهار سيطرتها، في حين يتحتم على بقية الإناث المرؤوسة إفساح الطريق لها وانتظار أدوارها.

الجينات المناعية والحالة الاجتماعية
في بداية التجربة وضع الباحثون إناث القردة -اللاتي لا تحمل أي صلة بينها ولا تعرف بعضها بعضا- في مجموعات مكونة من خمسة أفراد. أدخلت القردة في كل مجموعة واحدة تلو الأخرى. وبالتالي رتبت القردة نفسها بناء على الأقدمية. إذ من وصلت أولا خدمت أولا، واستحقت الفوز بالرتبة الأعلى في تلك المجموعة.

وبالتالي فإن الإناث اللاتي وصلت أخيرا بدأت في إظهار الخوف والتراجع بدلا من التعايش على أرض الواقع. بعد مرور عام، غيّر العلماء كل ذلك. إذ أعيد تشكيل تلك المجموعات بحيث اختيرت القردة التي كانت في نهاية السلم الاجتماعي سابقا وأدخلت كأول الأفراد في مجموعة جديدة تشمل أعضاء جددا عكست رتبة كل منها. وبالتالي تم تأسيس نظام اجتماعي جديد.

الأنثى المهيمنة تتم خدمتها وتحصل على الغذاء والمكان والتزاوج (يوريك أليرت)

بتغيير عضويات أفراد المجموعة الواحدة، فإن حالة القردة قد تغيرت أيضا، بحيث إن القردة التي كانت أدنى رتبة في السابق أصبحت هي المهيمنة، في حين انتقل البعض الآخر إلى أسفل الهرم وأصبحت أكثر استسلاما وخضوعا.

حلل العلماء بعد ذلك دم القردة. ففي دراسة سابقة -نشرت عام 2016 من الفريق ذاته- وجد العلماء أن رتبة الأنثى في المجموعة تؤثر على كيفية تفعيل أو تثبيط آلاف الجينات في خلايا الدم، وخاصة تلك الجينات المناعية المسؤولة عن مكافحة العدوى. ففي الإناث ذوات الرتب المتدنية، وجدوا أن كثيرا من هذه الجينات تتداعى بالشكل الذي يجعل جهازها المناعي يتأثر بسهولة بأي ميكروب يصيبها.

تدني الماضي يؤثر في الحاضر
أوضحت نتائج الدراسة أن الطبقة الاجتماعية الحالية للقردة ليست هي الشيء الوحيد المؤثر، إذ يلعب تاريخ رتبتها الاجتماعية دورا هاما أيضا.

تعرف الباحثون على 3735 جينا تبين أن نشاطها يتأثر بالتسلسل الهرمي للقردة في الماضي بغض النظر عما هي عليه تلك القردة في الحاضر.

يقول لويس باريرو المؤلف الرئيسي للدراسة من جامعة شيكاغو وفقما نقله موقع "فيز.أورغ" إن "الإناث اللاتي تدنت رتبتها درجة أو اثنتين في السلم الاجتماعي، ظهرت آثار هذا التدني على جيناتهن أيضا".

ولكن ما يثير الدهشة هو أنه حتى وإن حاولت تلك الإناث الارتقاء في السلم الاجتماعي، فإن ما تعرضت له في الماضي لا يزال له آثاره على جيناتها المناعية في الحاضر.

في السياق نفسه تقول "جيني تونغ" المؤلفة المشاركة في الدراسة وأستاذة علم الأحياء والأنثروبولوجيا التطورية في جامعة ديوك "تشير نتائجنا إلى أن الجسم يتذكر تدني الوضع الاجتماعي الذي عاناه في الماضي ومن ثم يحفر في الذاكرة بشكل أقوى بكثير من تذكره مما لو كانت الحالة الاجتماعية أفضل في الماضي، مما يشير إلى أن هناك عمليات بيولوجية متضمنة تعمل حتى في البالغين".

المصدر : الجزيرة