طورها النازيون ولفها النسيان.. إعادة اكتشاف أشد المبيدات فتكا

جنود أميركيون يرشون مادة "دي تي تي" أثناء الحرب العالمية الثانية (مواقع إلكترونية)
جنود أميركيون يرشون مادة "دي تي تي" أثناء الحرب العالمية الثانية (مواقع إلكترونية)

الصغير محمد الغربي

 
أعاد الباحثون اكتشاف مبيدات حشرية ألمانية سريعة المفعول ظلت مفقودة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ تتميز بمفعولها السريع على الحشرات الحاملة للأمراض وبتأثيرها الأقل خطرا على البيئة من المبيدات المستخدمة حاليا. 

وكشف الباحثون في دراسة جديدة منشورة في مجلة الجمعية الكيميائية الأميركية يوم الجمعة الماضي، التاريخ المعقد والمثير للقلق من مادة "دي أف دي تي"، وهو مبيد حشري سريع المفعول طوّره العلماء الألمان خلال الحكم النازي.

وبينوا أن نتائج الحرب العالمية الثانية أثرت على اختيار مادة "دي دي تي" ذات المخاطر الشديدة على البيئة كمبيد حشري رئيسي خلال القرن العشرين عوضا عن المبيد الألماني الأكثر فاعلية وأقل خطرا على بيئة.

يقول أستاذ الكيمياء في جامعة نيويورك وأحد كبار مؤلفي الدراسة بارت كاهر "لقد شرعنا في دراسة نمو البلورات في مبيد حشرات غير معروف وكشفنا عن تاريخها المثير للدهشة، بما في ذلك تأثير الحرب العالمية الثانية على اختيار مادة دي دي تي -وليس "دي أف دي تي"- مبيدا حشريا رئيسيا في القرن العشرين".

تلحق المبيدات الحشرية المستخدمة حاليا أضرارا فادحة بالبيئة (بيكسابي)

اكتشاف مبيد جديد
كان الباحثان بارت كاهر ومايكل وارد من جامعة نيويورك، المشاركان في تأليف الدراسة الجديدة، قد توصلا قبل عامين إلى تطوير شكل بلوري جديد لمادة "دي دي تي" يتميز بفعالية أكبر ضد الحشرات مع استخدامه بكميات أقل، مما يقلل من تأثيره البيئي.

وبمواصلة استكشاف البنية البلورية للمبيدات الحشرية، درس الباحثان أشكالا جديدة من "دي دي تي" بتعويض ذرات الكلور بأخرى لعنصر الفلور على جزيء هذا المركب.

ثم اختبر الفريق شكلين من المادة الجديدة على ذباب لفاكهة البعوض، بما في ذلك أنواع البعوض التي تحمل الملاريا والحمى الصفراء وحمى الضنك وزيكا.

وأظهرت نتائج الاختبار أن المركب الجديد "دي أف دي تي" يقتل الحشرات بشكل أسرع من مرتين إلى أربع مرات من مادة "دي دي تي".

تاريخ منسي
إضافة إلى ذلك، كشف الباحثون من خلال الوثائق التاريخية عن تاريخ منسي لمادة "دي أف دي تي" يعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية.

وتظهر الوثائق أن هذا المبيد طوّره العلماء في ألمانيا واستخدمه الجيش الألماني للسيطرة على الحشرات خلال حملته على الاتحاد السوفياتي وفي شمال أفريقيا. في المقابل كان الجيش الأميركي يستخدم مادة "دي دي تي" في أوروبا وجنوب المحيط الهادي.

مع نهاية الحرب وانهيار ألمانيا النازية، توقف تصنيع مبيد "دي أف دي تي". وقد نفى المسؤولون العسكريون الأميركيون الذين قابلوا علماء الرايخ الثالث مزاعم الألمان بأن لهذه المادة مفعولا أسرع من "دي دي تي" وأقل سمية على الثدييات، ووصفوا دراساتهم بأنها "هزيلة" و"غير كافية" في تقارير المخابرات العسكرية.

وفوجئ العلماء باكتشاف أن منافسا لمبيد "دي دي تي" أسرع مفعولا وأقل ضررا بالبيئة منه خسر السباق بسبب الظروف الجيوسياسية والاقتصادية وليس لأسباب علمية، كان سيغير مجرى القرن العشرين ويحول دون انتشار الكثير من الأمراض والأوبئة المعروفة اليوم.

زيادة مقاومة البعوض للمبيدات ساهمت في انتشار الأمراض (مواقع إلكترونية)

الحاجة إلى مبيدات حشرية جديدة
تعد اليوم الأمراض التي ينقلها البعوض مثل الملاريا -والتي تقتل طفلا كل دقيقتين- من الشواغل الرئيسية للصحة العامة، وتؤدي إلى 200 مليون إصابة سنويا. كما تشكل الأمراض الحديثة مثل مرض زيكا تهديدات متزايدة على الصحة في مواجهة مناخ متغير.

في الوقت نفسه، تتزايد مقاومة البعوض للمبيدات الحشرية المستخدمة حاليا لمادة "بيريثرويد" غير الضارة ومحدودة المفعول.

لذلك يشعر مسؤولو الصحة العامة، كما يقول الباحثون، بالحاجة إلى إعادة النظر في استخدام "دي دي تي" الذي تم حظره لعقود في معظم أنحاء العالم باستثناء الاستخدام الانتقائي لمكافحة الملاريا.

لكن تاريخه المثير للجدل وتأثيره البيئي يدفعان إلى تطوير مبيدات حشرية جديدة ذات فعالية قوية وسريعة وتأثير بيئي أقل خطرا، وهي مواصفات يبدو أنها متوفرة في مبيد "بي دي أف دي تي".

المصدر : الجزيرة