لأول مرة.. العلماء يرصدون شبكة سقالات البناء الكوني

محاكاة لعنقود من المجرات الضخمة مع الشعيرات الرابطة بينها (معهد ريكن للبحوث-اليابان)
محاكاة لعنقود من المجرات الضخمة مع الشعيرات الرابطة بينها (معهد ريكن للبحوث-اليابان)

الصغير محمد الغربي

تمكن العلماء من رصد شبكة واسعة من القنوات الرفيعة المشكلة من غاز هيدروجين يعتقد أنها تربط جميع المجرات في الكون، وذلك للمرة الأولى في تاريخ الفيزياء الفلكية، ويقع هذا الهيكل الكوني العملاق على مسافة 12 مليار سنة ضوئية في كوكبة الدلو.

ويدعم هذا الاكتشاف نظرية تشكل المجرات وتطورها وفقا "للنموذج الكوني القياسي"، الذي تنبأ بوجود ما يشبه "السقالة" التي تدعم البناء الكوني.

شبكة كونية
حسب الدراسة العلمية المنشورة في دورية ساينس العلمية في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري؛ فقد تمكن العلماء من العثور على أدلة لوجود قنوات (شعيرات) هيدروجين متعددة تنتشر على مسافة تزيد على ثلاثة ملايين سنة ضوئية، وتربط بين مجموعة كاملة من المجرات.

وتتميز هذه الشبكة بكونها باهتة للغاية، مما يجعل من الصعب اكتشافها في الفراغات الموجودة بين المجرات، ويعتقد العلماء أن هذه القنوات بدأت التشكل في وقت مبكر من عمر الكون بُعيد الانفجار الكبير، عندما غمرت سحب غاز الهيدروجين جميع أرجائه، قبل أن تبدأ التكثف بفعل الجاذبية لتكوّن خيوطا متشابكة.

وأصبحت نقاط تقاطع خيوط الشبكة الكونية على مر الزمن مواقع لتكوين المجرات التي تغذت على الهيدروجين لتكوين النجوم، ولا تعد هذه النظرية جديدة لدى العلماء؛ فقد توصلوا سابقا إلى تأكيدها من خلال تجارب المحاكاة الحاسوبية، لكن الملاحظات المباشرة حول المجرات الجديدة المتكونة على طول الشبكة الكونية تعمل كدليل ملموس على صحة هذه الفكرة.

ويقول الباحث في جامعة طوكيو ومعهد ركين للأبحاث هيدكي أوماهاتا "كانت هناك محاولات عديدة لرصد هذه الخيوط، ولكن لم يتم اكتشافها حتى الآن، لذلك ركزنا على الجانب المنير نسبيا من الشبكة لنعثر في النهاية على هيكل القنوات.

ويعود السبب وراء وجود مناطق "مشرقة" من الشبكة إلى وجود عدد من الثقوب السوداء الهائلة والمجرات النشطة للغاية في تلك المنطقة من السماء التي تضيء بدورها قنوات غاز الهيدروجين الرفيعة والباهتة وتسهل اكتشافها.

ويضيف المؤلف الرئيسي للدراسة لصحيفة الجارديان أن "هذا يشير بقوة إلى أن الغاز الذي ينهار على طول خيوط الشبكة تحت قوة الجاذبية يؤدي إلى تشكيل المجرات والنجوم والثقوب السوداء الهائلة، مما يعطي الكون الهيكل الذي نراه اليوم".

 الخريطة توضح شعيرات الغاز (الزرقاء) التي تمتد من أعلى إلى أسفل الصور (معهد ريكن للبحوث-اليابان)

نحو رسم خريطة للشبكة
سوف تساعد الدراسات المستقبلية على رسم الخريطة الكاملة لانتشار الشبكة الكونية الخفية؛ فبالإضافة إلى رصد مجموعات المجرات المليئة بالأجرام الساطعة، يمكن للعلماء أيضا تتبع الإشارات الصادرة عن هذه الشبكة في أطوال موجات الراديو أو الأشعة السينية.

ومن المنتظر أن يوفر مرصد "آثينا إكس راي" المقرر إطلاقه نهاية عام 2031 أداة مناسبة لتتبع الغاز الأكثر سخونة من الجزء الأكبر من الشبكة، والتقاط صورة كاملة للخيوط الساخنة حول مجموعات المجرات في الكون القريب.

كما يقترح العلماء إنجاز مهمة ثانية عام 2050 للبحث عن أثر الشبكة الكونية في خلفية الميكروويف الكونية (الضوء المتبقي من الانفجار الكبير) من خلال استخدامه "كضوء خلفي" لتتبع البصمات التي تركتها قنوات الهيدروجين الرفيعة في مناطق مختلفة من الكون.

ويتوقع العلماء أن تكشف كل هذه الأدوات عن بنية الشبكة الكونية بأكملها، وتزودنا بإحصاء نهائي للمادة الموجودة في الكون. 

المصدر : الجزيرة