الكشف عن الملاريا غير المنجلية في عظام مصرية قديمة

العلماء عثروا على الملاريا المنجلية في بقايا المصريين القدماء مستخدمين منهجيات عدة (رويترز-أرشيف)
العلماء عثروا على الملاريا المنجلية في بقايا المصريين القدماء مستخدمين منهجيات عدة (رويترز-أرشيف)

طارق قابيل

في مؤتمر "علم الآثار البيولوجي في مصر القديمة" الذي عقد مؤخرا في الجامعة الأميركية بالقاهرة قدم باحثون مصريون أول دليل على وجود الملاريا غير المنجلية في مصر القديمة من خلال التحليل المناعي لعينات من مجموعة هياكل عظمية من مقابر أهرام الجيزة على الضفة الغربية لنهر النيل.

ومن المعروف أن الملاريا مرض معد يهدد صحة الإنسان في أجزاء كثيرة من العالم. ويمكن للعديد من الظروف أن تزيد من فرص انتقال الملاريا. وقد تؤدي مشكلات نقص التغذية إلى تعقيد الحالة، خاصة بين أكثر الفئات حساسية مثل الأطفال والنساء الحوامل.

مرض الملاريا لدى الإنسان تسببه أربعة أنواع من البلازموديوم (المتصورة) وهو طفيل صغير يتوالد داخل كريات الدم الحمراء، وهي البلازموديوم فالسباروم (المنجلية) والفايفاكس (النشيطة) والأوفالي (البيضاوية) والملاريا (الوبالية).

كنوز من المعلومات الطبية
توفر المقابر والمعابد والسجلات التاريخية المصرية المكتوبة ثروة من الأدلة والمعلومات حول الأمراض والعناية الطبية في العصور القديمة. وتقدم مصر فرصة لا مثيل لها لدراسة الأمراض القديمة وذلك من خلال الكم الهائل من المومياوات والبقايا الإنسانية المكتشفة كل حين.

وقد ذكر المؤرخ الإغريقي القديم هيرودوت أنه كان يُقدَم إلى بناة الأهرامات المصرية (تقريبا عام 1700-2700 قبل الميلاد) كميات كبيرة من الثوم، وفسر ذلك بأنه محاولة لحمايتهم من الإصابة بالملاريا.

وتظهر الدراسات التاريخية أن كل من سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة الذي حكم في الفترة 2613-2589 قبل الميلاد، وكليوباترا السابعة الفرعون الأخير لمصر القديمة، استخدما الناموسية للحماية من البعوض.

الملاريا التي تنتقل عبر البعوض تعد من الأمراض الخطيرة (وكالة الأنباء الألمانية)

وفى السنوات الأخيرة عرف العلماء معلومات قيمة من تلك المومياوات التي وجدت ليس فقط فى وادي النيل بل فى كوريا الجنوبية وتشيلي. وبحسب الباحثين تناولت دراسات عالمية قليلة مسألة تشخيص الملاريا في بقايا الإنسان الأثرية، وقامت جميع هذه الدراسات بتشخيص المرض من خلال الكشف عن جزيئات حيوية مثل الحمض النووي "دي أن أي"، والمستضادات والأجسام المضادة.

وقد كشف عن الملاريا المنجلية في بقايا المصريين القدماء من قبل العديد من الباحثين باستخدام منهجيات بما في ذلك استخدام الاختبارات التشخيصية السريعة. وأكدت طرق الكشف الجزيئية عن الملاريا الانتشار الواسع للملاريا المتصورة المنجلية في مصر القديمة. وأكد الباحثون وجود الملاريا في مصر في فترة 800 قبل الميلاد تقريبا باستخدام طرق معتمدة على الحمض النووي.

وفي دراسة نشرتها دورية "الجمعية الطبية الأميركية" سنة 2010، استخدم الباحثون فحوصا جينية وإشعاعية وعلم الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) لدراسة مومياء توت عنخ آمون، وعشر مومياوات أخرى معاصرة للفرعون الشاب.

وكشفت فحوص الحمض النووي كذلك عن إصابة هذا الفرعون بالملاريا، الذي حكم مصر إبان حكم الأسرة الثامنة عشرة بين عامي 1336 و1327 قبل الميلاد ومات صغيرا، وهو الكشف الذي عثر عليه في عدد من المومياوات المصرية القديمة أيضا.

فحص الحمض النووي لمومياء توت عنخ آمون أظهر أنه توفي بالملاريا (غيتي-أرشيف)

وكشف العلماء عن أن هناك امكانية كبيرة بأن يكون مرض الملاريا قد سبب موت الفرعون توت عنخ آمون الذي يعتقد أنه كان يعاني من شلل سببه أحد أمراض العظام النادرة. وقد قضى العلماء أكثر من سنتين في تحليل مومياء توت عنخ آمون لاستخراج الحمض النووي، وقد أظهرت تحاليل الدم بالفعل إصابته بالملاريا.

كشف مناعي جديد
لا تحتوي هضبة الجيزة على الأهرامات الملكية التي بنيت قبل حوالي 25 قرنا قبل الميلاد فقط، بل على مقابر كبار المسؤولين والعمال في المملكة القديمة. ولهذا هدفت هذه الدراسة إلى تقدير مدى انتشار الملاريا في الجيزة خلال المملكة القديمة باستخدام اختبارات تشخيصية سريعة للملاريا.

كان البروتين الغني بالهيستيدين-2 (HRP2) الخاص ببلازموديوم فالسباروم غائبا في 100% من العينات المختبرة، في حين تم اكتشاف إنزيم أَلْدولاز الشائع في الأنواع الأربعة من مسببات الأمراض (البلازموديوم) المسببة للملاريا البشرية في 56% من العينات، مع عدم وجود فرق كبير بين المجموعات الاجتماعية التي تم اختبارها.

وباستخدام التحليل المناعي، قدم الباحثون أول دليل على انتشار الملاريا غير المنجلية في مصر القديمة. وقد تعزز هذه النتيجة المعرفة حول تاريخ المرض الذي لا يزال يؤثر على العديد من المناطق في جميع أنحاء العالم.

ومن المعروف أن دراسة تاريخ الأمراض الطفيلية يسلط الضوء على الظروف المعيشية والتاريخ الثقافي للأشخاص المصابين بها، كما يمكن أن تساعد على توضيح تاريخ وطبيعة هذه الأمراض وتطورها، فالطفيليات وبويضاتها قد تتحنط مع المومياوات.

ويقترح الباحثون من خلال هذه الدراسة أن عامل الخطر الرئيسي الذي كان موجودا قديما هو وجود المساكن قرب الممرات المائية الطبيعية والاصطناعية، مما يسمح بالاتصال المطول بين الناقل والعائل المضيف. وسيشمل العمل المستقبلي دراسة العلاقة بين التغيرات البيئية التي صنعها الإنسان والتي تنطوي على التمدن والممارسات الزراعية في مصر القديمة وانتشار المرض.

وسينفذ هذا العمل من خلال مقارنة النتائج من فترة الأسرات وفترة ما قبل الأسرات. وقد يشمل ذلك دراسة العبء الاجتماعي والاقتصادي للملاريا بين المجتمعات الزراعية والصيادين. وقد تضيف الأبحاث المناخية القديمة أدلة جديدة تساعد في إعادة بناء الظروف البيئية التي سمحت بتكاثر وانتشار كل من الناقل والجراثيم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أجرى باحثون مصريون وألمان وغيرهم اختبارات جينية وبالأشعة على مومياءات خاصة للملك الفرعوني الصغير توت عنخ آمون, وأظهرت النتائج أن الملك الذي توفي بينما كان عمره 19 عاما كان يعاني من هشاشة في العظام وربما مات بسبب الملاريا.

المزيد من علوم
الأكثر قراءة