تحمي الكوكب وتخدم البشر.. نباتات قادرة على تصنيع الأسمدة من الهواء

ستتمكن النباتات في المستقبل القريب من تخليق الأسمدة التي تحتاج إليها بنفسها (بيكسابي)
ستتمكن النباتات في المستقبل القريب من تخليق الأسمدة التي تحتاج إليها بنفسها (بيكسابي)

طارق قابيل

ستتمكن النباتات في المستقبل القريب من تصنيع الأسمدة التي تحتاج إليها بنفسها، ولذلك فإن المزارعين لن يضطروا لشراء الأسمدة لتسميد محاصيلهم، وسيستفيد المليارات من البشر من زيادة الإنتاج الغذائي في جميع أنحاء العالم.

قد تبدو هذه التصريحات وكأنها جزء من رواية خيال علمي، لكن الأبحاث الجديدة التي أجراها باحثون في جامعة واشنطن بسانت لويس تظهر أنه من الممكن تصميم وتطوير نباتات مهندسة وراثيا لإنتاج الأسمدة التي تحتاجها في المستقبل القريب، ويمكن لهذا الاكتشاف أن يكون ذا تأثير ثوري على الزراعة وسلامة كوكب الأرض.

وتعتمد عملية إنتاج الأسمدة على الطاقة بشكل مكثف، وتنتج هذه العملية غازات الاحتباس الحراري (الدفيئة) التي تعتبر المحرك الرئيسي لتغير المناخ، ومع ذلك فإنها غير فعالة.

والتسميد في أغلب الأحيان هو نظام توصيل للنيتروجين الذي تستخدمه النباتات لإنتاج الكلوروفيل لعملية التمثيل الضوئي، ولكن في النهاية يصل أقل من 40% من النيتروجين الموجود في الأسمدة التجارية إلى النبات.

وبعد أن يتم تسميد نبات ما هناك مشكلة أخرى هي الجريان السطحي الذي يقوم بتجريف الأسمدة في الجداول والأنهار والخلجان والبحيرات بواسطة الأمطار والرياح، مما يساهم في تغذيه الطحالب التي تنمو بشكل سريع ومكثف يخرج عادة عن نطاق السيطرة، مما يؤدي إلى حجب أشعة الشمس وإبادة الحياة النباتية والحيوانية أدناه.

ومع ذلك، هناك مصدر آخر وفير من النيتروجين في كل مكان حولنا وهو الغلاف الجوي للأرض الذي يحتوي على نحو 78% من النيتروجين.

وقام هيمادري باكراسي الأستاذ في العلوم البيولوجية من قسم البيولوجيا بكلية العلوم والآداب مدير المركز الدولي للطاقة والبيئة والاستدامة مؤخرا بهندسة بكتيريا يمكنها "تثبيت" النيتروجين وهي عملية جوهرية لجميع أشكال الحياة يتحول فيها النيتروجين إلى أمونيوم.

وعلى الرغم من عدم وجود نباتات قادرة على تثبيت النيتروجين من الهواء الجوي بنفسها فإن هناك مجموعة فرعية من البكتيريا الخضراء المزرقة (البكتيريا التي تقوم بعملية التمثيل الضوئي مثل النباتات) قادرة على القيام بذلك، وتستطيع هذه البكتيريا القيام بتثبيت النيتروجين.

وتعتمد فكرة البحث الجديد على بكتيريا "سيانوسيس" (Cyanothece) التي لديها إيقاع للساعة البيولوجية وقادرة على تثبيت النيتروجين.

ومن المثير للاهتمام أن هذه البكتيريا تقوم بالتمثيل الضوئي خلال النهار، وتحول ضوء الشمس إلى الطاقة الكيميائية التي تستخدمها وقودا، وتثبت النيتروجين في الليل بعد أن تزيل معظم الأكسجين المنتج أثناء عملية التمثيل الضوئي عن طريق التنفس.

وفكر الفريق البحثي في نقل الجينات المسؤولة عن آلية الساعة البيولوجية من بكتيريا سيانوسيس إلى نوع آخر من البكتيريا الخضراء المزرقة التي تفتقد هذه الآلية، لتمكينها من تثبيت النيتروجين من الهواء.

ووجد الباحثون مجموعة متلاصقة من 35 جينا تعمل في الليل فقط، وكانت خاملة بشكل أساسي خلال النهار.

وأزال الفريق البحثي الأكسجين يدويا من بكتيريا سيانوسيس وأضافوا الجينات إلى البكتيريا الأخرى بعد ذلك، وقد وجد الباحثون أن البكتيريا الأخيرة اكتسبت القدرة على تثبيت النيتروجين بنسبه 2% من سيانوسيس، ونشر البحث في مجلة الجمعية الأميركية للميكروبيولوجيا (أم بي آي أو).

الخطوات التالية للفريق هي التعمق أكثر في تفاصيل عملية تثبيت النيتروجين، وربما اختيار عدد أقل مناسب من مجموعة فرعيه من الجينات اللازمة لتثبيت النيتروجين، والتعاون مع علماء النبات الآخرين لتطبيق الدروس المستفادة من هذه الدراسة، والوصول بنتائجها إلى المستوى التالي وهو إنتاج نباتات قادرة على تثبيت النيتروجين.

تقنية ناجحة
وفي تعليقه على هذه الدراسة يقول الدكتور دسوقي عبد الحليم عميد معهد الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية بمدينة الابحاث العلمية والتطبيقات التكنولوجية بالإسكندرية
 "من الممكن أن تعمل هذه الجينات بعد نقلها إلى النباتات، وهذا النوع من النقل الجيني ناجح طبيعيا وصناعيا ولم تحدد له أضرار".

ومن المتوقع أن تكون المحاصيل التي يمكنها تثبيت النيتروجين من الهواء أكثر فعالية لمزارعي الكفاف الذين يبلغون نحو ثمانمئة مليون شخص في جميع أنحاء العالم وفقا للبنك الدولي، مما يرفع غلة المحاصيل على نطاق واسع ويوفر الأموال والوقت الذي كان ينفق في نثر الأسمدة النيتروجينية يدويا، ومن المؤكد أنه إذا نجح هذا الاتجاه البحثي فسيكون تغييرا ثوريا مهما في الزراعة.

أما عن المدى المنظور والزمن المتوقع لظهور مثل هذه النباتات فلا يقل مدى إنتاج صنف نباتي مهندس وراثيا من الفكرة حتى التسويق من 10-15 سنة، وهي مدة قد تتساوى مع المدة اللازمة لإنتاج صنف زراعي منشؤه برامج التربية النباتية التقليدية والانتخاب الطبيعي. 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الغذاء والعلم متلازمان، فالطعام عبارة عن مجموعة من الخطوات العلمية لتحضير مواد كيميائية معقدة عن طريق خلط مواد كيميائية بسيطة بنسب محددة، فلنعرف كيف يمكن للعلم تحسين طعامنا وطرق الطهي.

أطلق باحثون بأول مركز للبحث في البيوتكنولوجيا (التقانة الحيوية) بالجزائر، مشاريع بحث عالية التكنولوجيا في الهندسة الوراثية والأجسام المضادة المستخلصة من الإبل، بهدف تشخيص الأمراض التي تصيب النباتات والمحاصيل الزراعية.

المزيد من علوم
الأكثر قراءة