حديث الفلكيين.. كيف تسمى الاكتشافات الفضائية؟

الاتحاد الفلكي الدولي خطط لتسمية أقمار تابعة للمشتري بأسماء من أساطير الشعوب (رويترز)
الاتحاد الفلكي الدولي خطط لتسمية أقمار تابعة للمشتري بأسماء من أساطير الشعوب (رويترز)

عمران عبد الله

مع كل إنجاز جديد في عالم الفضاء، يطرح السؤال عن تسمية ما تم اكتشافه لكي يأخذ مكانه في المدونة العلمية الدولية وذاكرة المعاجم المتخصصة والعامة، وذلك في إطار عملية لها أصولها وقواعدها.

وقد تجدد الموضوع مؤخرا عندما نجحت المركبة الفضائية "نيو هورايزونز" في فاتح يناير/كانون الثاني الجاري في بلوغ أعمق نقطة اكتشاف قام بها البشر للفضاء الخارجي، حيث تمكنت من تخطي أبعد نقطة عن كوكب الأرض مكتشفة حتى الآن وهي كويكب "أولتيما ثول".

وتمكنت المركبة من التحليق في مكان أبعد من الكويكب الكائن في حزام كايبر وراء كوكب نبتون. وتشير تسمية "أولتيما ثول" إلى مكان بعيد غير معروف. ويبدو الاسم مناسباً، ولكنه في الوقت الحالي يعد مجرد اسم مؤقت في انتظار التسمية الرسمية.

وسيتم في نهاية المطاف إطلاق مسميات رسمية على الجسم والسمات والتضاريس الموجودة على سطحه (قد يستغرق ذلك سنوات) من قبل الاتحاد الفلكي الدولي (آي.أي.يو) الذي يحتفل بمرور مئة عام على تأسيسه عام 2019.
 
وتشمل الإنجازات التي حققها الاتحاد خلال عقوده الأولى حل مجموعة من التناقضات في الأسماء التي أعطيت لخصائص فلكية على سطح القمر والمريخ من قبل الفلكيين المتنافسين خلال القرون القليلة الماضية، وخاصة في زمن التنافس السوفياتي الأميركي.

وبعد ذلك، كانت مهمة مجموعة العمل في التسمية قد انتهت إلى حد كبير، ولم يكن عصر الفضاء قد بزغ، مما سمح للمسبارات الفضائية بإرسال صور تكشف عن تفاصيل الخصائص الطبيعية المدهشة للكواكب وأقمارها، حسب مقالة أستاذ علوم الكواكب الجيولوجية بالجامعة المفتوحة ديفد روثيري نشرها موقع "ذي كونفرسيشن".

 أبعد نقطة عن كوكب الأرض مكتشفة حتى الآن وهي كويكب "أولتيما ثول" (رويترز)


أهمية تسمية الأجسام
يجد علماء الكواكب صعوبة في الحياة من دون أسماء على الأقل لأكبر السمات أو أبرزها على الجسم، فإذا لم تكن هناك أسماء فسيصعب على المراقبين الآخرين التأكد أو الوصول وتحديد موقع نفس السمة أو التضاريس على سطح كوكب ما. والبديل أن يكون التحديد من خلال ترقيمهم أو تحديد إحداثيات الخريطة، لكن هذا الخيار يعد مرهقًا وغير معقول.

بناء على بعض أسماء القمر والمريخ المتفق عليها بالفعل، أمر الاتحاد الفلكي الدولي بوضع تسميات لكل السمات أو التضاريس الموجودة على الأجسام والكواكب. فمثلا، سُميت الفوهات الضخمة على المريخ باسم علماء وكتاب متوفين مرتبطين بالمريخ (مثل آسيموف ودافنشي)، وسميت الفوهات الواقعة على بعد أقل من 60 كلم بأسماء مدن وقرى على الأرض (مثل بوردو الفرنسية وكاديز الإسبانية).
 
وبخلاف الحفر وفوهات البراكين، فإن معظم الأسماء مركبة من جزأين، مع إضافة مصطلح "واصف" من أصل لاتيني للإشارة إلى نوع الميزة التي تمت تسميتها.

فعلى المريخ نجد الوديان المجاورة التي تسمى آريس فاليس، وتيو فاليس، وسيمود فاليس، حيث المصطلح الواصف "فاليس" هو اللفظة اللاتينية للوادي.

ويسبق ذلك كلمة "المريخ" بلغة مختلفة، وفي هذه الأمثلة اليونانية، الإنجليزية القديمة، الجرمانية والسومرية على الترتيب. توجد المصطلحات الأخرى الوصفية مثل "Chasma" (منخفض عميق، طويل)، "Mons" (الجبل)، "Planitia" (سهل منخفض) و"Planum" (سهل مرتفع أو هضبة).

أحدث اكتشاف فضائي قد يحتاج سنوات كي تصبح له تسمية معتمدة ومتفقا عليها (الأوروبية)

لفظ أم وصف؟
ويتم اختيار مصطلحات واصفة لتجنب الإشارة إلى أننا نفهم ونعرف كيف تشكلت ميزة معينة. فمثلا، هناك العديد من النتوءات على كوكب عطارد، يجري تفسيرها حاليًا على أنها أخطاء في الدفع (حيث تم دفع منطقة واحدة على سطح كوكب فوق أخرى). لكن استخدام مصطلح واصف محايد -في هذه الحالة يستخدم روبس (اللفظة اللاتينية للندبة)- تجعلنا بمنأى عن ضرورة إعادة تسميتها إذا أدركنا لاحقاً أننا أخطأنا في تفسيرها وفهم سبب تكونها. وبالمثل، فإن أيًا من الجبال العملاقة على سطح المريخ التي نكاد نكون متأكدين أنها بفعل براكين، تستخدم لفظة البركان كجزء من اسمها الرسمي.
 
ويتوافق أكبر بركان على المريخ "أوليمبوس مونس" مع بقعة ساطعة سريعة الزوال يمكن تمييزها في بعض الأحيان من خلال التلسكوبات. ورغم ذلك، أطلق عليه في البداية اسم "نيكس أوليمبيكا" (ثلوج أوليمبوس) من قبل مراقب الفضاء في القرن التاسع عشر جيوفاني شياباريلّي. إلا أن مجسات الفضاء أظهرت منذ ذلك الحين أن السطوع المؤقت ليس ثلجًا، ولكنه غيوم وسحب تتجمع أحيانًا حول القمة. وقرر الاتحاد الفلكي الدولي الحفاظ على جزء من الاسم لأنه يعد الأكثر ملاءمة، لأن "مونس" في اللاتينية تعني "الجبل".
 
وعلى القمر، احتفظ الاتحاد الفلكي بمصطلح "مار" (البحر باللاتينية) وصفا للبقع المظلمة، رغم أنه واضح أنها لم تكن مملوءة بالماء كما كان يعتقد من قبل.
 
التوازن الثقافي
تقول وحدة المراجعة الداخلية للاتحاد الفلكي الدولي إنها حساسة وجادة في تحقيق التوازن الثقافي. فأسماء الفوهات القمرية التي ورثها الاتحاد تخلّد ذكرى علماء الماضي وهم أغلبهم غربيون.

ولتحقيق التوازن، حرص الاتحاد على إطلاق أسماء أنثوية لشخصيات متوفاة أو أسطورية على سمات كوكب الزهرة الذي كان سطحه غير معروف بسبب الغطاء السحابي، حتى وصلت مركبة فضائية إلى المدار الذي مكّنها من اكتشافه.
 
قبل أول صور تفصيلية لأقمار المشتري بمركبة "فوياجر-1" عام 1979، خطط الاتحاد الفلكي لاستخدام أسماء من أساطير الشعوب في المنطقة الاستوائية الأرضية لسطح قمر المشتري "آيو"، وكذلك أسماء أسطورية من المنطقة المعتدلة الأوروبية، وأسماء مستوحاة من أساطير الشرق الأوسط، وأسماء من الثقافات الشمالية. واستُخدمت بالفعل أسماء فرعونية مثل أنوبيس، وإسكندنافية مثل فالهالا، وأوروبية قديمة.
 
ولكن جرى الكشف لاحقاً أن قمر المشتري "آيو" يتعرض لانفجارات بركانية مستمرة، فاعتبرت الأسماء القديمة غير مناسبة، وتم استبدالها بأسماء النار والشمس والرعد والبرق والبراكين، لكن بلغات وثقافات مختلفة، ومنها كلمات من أصل عربي مثل "شمشو" (Shamshu) المشتقة من كلمة "الشمس" العربية.

المصدر : مواقع إلكترونية