كورونا تختبر الجاهزية العسكرية الأميركية

إستراتيجية الأمن القومي الأميركي شملت جزءا خاصا بمواجهة تهديدات الحروب البيولوجية وانتشار الأوبئة (رويترز)
إستراتيجية الأمن القومي الأميركي شملت جزءا خاصا بمواجهة تهديدات الحروب البيولوجية وانتشار الأوبئة (رويترز)

محمد المنشاوي-واشنطن

شملت إستراتيجية الأمن القومي التي صدرت قبل نهاية عام 2017 وقدمها للرأي العام الأميركي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جزءا خاصا عن مواجهة تهديدات الحروب البيولوجية وانتشار الأوبئة.

وجاء في تلك الإستراتيجية التي اطلعت عليها الجزيرة نت، أن انتشار الأوبئة قد يكون عملا متعمدا، أو يمكن أن يخرج بصورة طبيعية غير متعمدة، وعلى الولايات المتحدة الاستعداد لكل السيناريوهات.

ويدفع تعامل الولايات المتحدة، وبالأخص التطورات المتعلقة بوزارة الدفاع، للتساؤل عن جاهزية البنتاغون للقيام بمهامه في هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها الولايات المتحدة والعالم.

ودفعت التوقعات بارتفاع أعداد الوفيات في الولايات المتحدة وزارة الدفاع إلى طلب توفير 100 ألف كيس مخصص للجثث بهدف توفيرها للاستخدام المدني. ومع انتهاء يوم الخميس 2 أبريل/نيسان الجاري تخطى عدد الإصابات بفيروس كورونا داخل الولايات المتحدة ربع مليون حالة، وتخطى عدد الوفيات ستة آلاف.

شكوك في الجاهزية العسكرية
لم تمثل أنباء تفشي كورونا بين الأطقم العاملة على ظهر حاملة الطائرات روزفلت الحالة الأولى من نوعها، إذ سبق أن تفشى كورونا على حاملة الطائرات رونالد ريغان قبل أسابيع اضطرت معها للرسو في ميناء عسكري ياباني ووقف عملياتها.

وتقوم البحرية الأميركية الآن بإجلاء مئات البحارة من حاملة الطائرات روزفلت أمام سواحل جزيرة غوام التابعة للولايات المتحدة في غربي المحيط الهادي، وجاءت تلك الخطوة عقب تحذير قبطانها من أن تفشي كورونا على متنها يهدد حياة الطاقم.

وأعلن البنتاغون أن عدد المصابين وسط القوات الأميركية اقترب من 1500 شخص بزيادة تخطت 200 حالة جديدة خلال آخر 24 ساعة. 

كما اضطرت وزارة الدفاع إلى إلغاء مناورات عسكرية عدة كان من المقرر إجراؤها خلال الأسابيع والأشهر القادمة، كما تقرر سحب بعض القوات وتجميد انتشار نحو 90 ألف جندي أميركي في عدد من الدول.

دفاع وانتقادات
ومع ذلك، دفعت تلك التطورات قادة البنتاغون للتقليل من تأثير تداعيات كورونا على جاهزية القوات المسلحة الأميركية، وذكر وزير الدفاع مارك إسبر خلال المؤتمر الصحفي اليومي للبيت الأبيض الأربعاء الماضي أنه "بينما يتبع الجيش الأميركي التوجيهات بشأن التباعد الاجتماعي والصحة العامة، فإن أزمة روزفلت وانتشار الوباء الأوسع لا يقوضان قدرات الجيش الأميركي في الحرب".

لكنّ سفيرا أميركيا متقاعدا أكد للجزيرة نت أنه "من الصعب أن يعترف وزير الدفاع الأميركي بأن قوات بلاده غير مستعدة للحروب في وقت الأزمات، طبعا هناك أزمة جاهزية عندما يضرب فيروس كورونا أطقم حاملتي طائرات في المحيط الهادي ويضطرا للخروج من الخدمة ولو مؤقتا".

‪خبراء عسكريون أميركيون أشاروا إلى أن البنتاغون لا يزال يفكر في الحروب المستقبلية بصورة تقليدية‬ (رويترز)

ضخامة الميزانية العسكرية الأميركية.. ولكن!
منذ وصوله للحكم قبل أكثر من ثلاث سنوات، أكد ترامب في مناسبات عدة أنه يهدف إلى "إعادة بناء القوات المسلحة الأميركية لمواجهة التحديات والمخاطر الجديدة". وعقب إقرار ميزانية 2020، غرد قائلا "وقعتُ الميزانية العسكرية، جيشنا الآن هو الأقوى في التاريخ، نحن نحب جيشنا ونحتاج إليه، وسنمنحه أكثر مما يطلب".

لكن وطبقا لما جاء في إستراتيجية الأمن القومي المشار إليها سابقا، لم تقم القوات المسلحة الأميركية بخطوات ثلاث تحدثت عنها الإستراتيجية التي تلعب دور الدليل الإرشادي للبنتاغون وكبار قادته.

الخطوات الثلاث لمواجهة انتشار الأوبئة هي:
أولا: محاصرة الوباء في مناطق انتشاره الأولى من خلال العمل المشترك مع الدول الأخرى من أجل تقليل المخاطر ومنع انتشار الوباء خارج حدوده الأولى.

ثانيا: دعم تطوير الصناعات والاختراعات البيولوجية من أجل مواجهة أي ظهور لأوبئة غير متوقعة.

ثالثا: تحسين رد الفعل الطارئ والاستعداد لوصول الوباء للأراضي الأميركية، وذلك من خلال تطبيق إستراتيجية احتواء للوباء لمنع انتشاره وتوفر الدعم اللازم لمؤسسات الرعاية الصحية المختلفة بما فيها من معدات وأدوات بما يُمكّن من إنقاذ حياة المرضى.

وبالنظر لتعامل البنتاغون مع انتشار وباء كورونا، يتضح عدم تطبيق ما نصت عليه الإستراتيجية. فلم يقدم البنتاغون إلا على تقديم سفينتين طبيتين تتسع كل منهما لألف سرير وعدد من غرف العمليات العناية المركزة، رست الأولى أمام مدينة نيويورك والأخرى قبالة سواحل لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا.

تفكير قديم لمواجهات جديدة مختلفة
وأشار عدد من الخبراء العسكريين الأميركيين إلى أن البنتاغون لا يزال يفكر في الحروب والمعارك المستقبلية بصورة تقليدية قديمة تركز على مواجهة جيوش تقليدية.

ويرتبط بذلك تركيز أعضاء الكونغرس على قضايا تهم دوائرهم الانتخابية -مثل الحفاظ على الوظائف أو الإبقاء على قواعد عسكرية لا حاجة لها- على أن يتم زيادة المخصصات العسكرية سنويا حتى مع عدم وجود مبرر لذلك.

ومن الأمثلة الواضحة ما يتعلق بخطوط إنتاج المدرعات والدبابات التي لم تعد هناك حاجة عملياتية لها، إذ يستمر الضغط لاقتناء المزيد منها. وعلى الرغم من اقتناع بعض القادة العسكريين بعدم وجود حاجة للمزيد من الدبابات والمدرعات وحاملات الطائرات، فإن الكونغرس يخصص مليارات الدولارات من أجل اقتناء المزيد.

مشكلة في العقيدة العسكرية
وتساءل السفير الأميركي المتقاعد الذي رفض أن يذكر اسمه للجزيرة نت عن السبب في امتلاك أميركا أكثر من ثمانية آلاف رأس نووي في الوقت التي تمتلك فيه الصين أقل من ثلاثمئة رأس نووية فقط وتكتفي بها سلاحا رادعا.

وقال السفير للجزيرة نت "هناك مشكلة كبيرة وهي كيفية إجراء تغيير كبير في العقيدة العسكرية الأميركية للتعامل مع مخاطر مختلفة لا تتطلب بالضرورة ما نملكه الآن من جيش نظامي كبير مسلح بأحدث ما أنتجه العقل البشري من أسلحة تقليدية".

وأضاف السفير "علينا إعادة ترتيب الأوليات وإعادة ترتيب المخاطر، لا يمكن أن نحارب في القرن الـ21 بعقلية وعتاد القرن العشرين".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة