الصراع على إقليم ناغورني قره باغ.. الحضور الإسرائيلي الخفي

الرئيس الأذري إلهام علييف (يسار) خلال استقباله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في العاصمة باكو (الجزيرة-أرشيف)
الرئيس الأذري إلهام علييف (يسار) خلال استقباله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في العاصمة باكو (الجزيرة-أرشيف)

وسط صمت إسرائيل المعلن وحضورها الخفي في المعارك الدائرة بين القوات الأذرية والأرمنية في الصراع على إقليم ناغورني قره باغ، بدت سلطات القرار الإسرائيلية حائرة بين مطرقة أرمينيا وسندان أذربيجان.

يأتي ذلك مع توارد الأخبار باستخدام قوات باكو أسلحة إسرائيلية ضد القوات الأرمنية.

وقد استدعت أرمينيا سفيرها في تل أبيب للتشاور، احتجاجا على تزويد إسرائيل أذربيجان بأسلحة وطائرات مسيرة متفجرة.

كما يأتي ذلك بعد أن وصلت إلى إسرائيل طائرات شحن أذرية خلال الأيام الأخيرة، وحطت في قاعدة سلاح الجو "عوفدا" بالنقب، ثم عادت إلى أذربيجان محمّلة بالسلاح والعتاد العسكري، بحسب ما أفاد الموقع الإلكتروني لصحيفة "يديعوت أحرونوت".

وفي المقابل، اعترف حكمت حجاييف المستشار السياسي للرئيس الأذري -خلال مقابلة أجراها معه موقع "والا" الإسرائيلي- بأن الجيش الأذري يستخدم طائرات مسيرة وأخرى متفجرة من صنع إسرائيل، في المعارك الدائرة مع القوات الأرمنية في إقليم قره باغ.

وتتكتم إسرائيل -بموجب أنظمة الرقابة العسكرية- على حجم التعاون الأمني والعسكري وصفقات الأسلحة مع أذربيجان، وذلك بعد الأخبار التي أفادت عام 2017 بأن شركة "إيرناوتيكس" الإسرائيلية لتصنيع الطائرات المسيرة أجرت تجربة تفجيرية لطائرة من طراز "هاروب 2″، ضد موقع عسكري للجيش الأرمني، بناء على طلب باكو.

نتنياهو وعقليته مع الرئيس الأذري وعقليته في باكو (الجزيرة-أرشيف)

مصالح وتهديدات

وتسعى إسرائيل وأذربيجان إلى تطوير علاقات وثيقة منذ الإعلان رسميا عن إقامة العلاقات الدبلوماسية بين باكو وتل أبيب في نيسان/أبريل 1992، بحيث تعززت وتوثقت هذه العلاقات في السنوات الأخيرة بالمجال العسكري والأمني، وذلك على خلفية مزاعم التهديد الذي تشكله إيران على هذين البلدين.

وترتكز المصالح الإسرائيلية في العلاقات مع باكو على حقيقة أن أذربيجان تقع على حدود إيران، مما يجعلها مكانا مثاليا لجمع المعلومات الاستخباراتية عما يحدث في إيران.

وفي السنوات الأولى لتطوير العلاقات بين البلدين، ووفقا لبيانات جيش الدفاع الإسرائيلي، تم الاعتراف رسميا بأن شركات الصناعات العسكرية والأمنية الإسرائيلية تعتبر من الموردات الرئيسية للطائرات المسيرة والمدافع والدبابات والأسلحة إلى أذربيجان.

وتشير التقديرات إلى أنه حتى عام 2009، تم توقيع صفقات أسلحة بقيمة 4 مليارات دولار بين البلدين.

ولم تقتصر العلاقات بين باكو وتل أبيب على صفقات الأسلحة، إذ بات الحضور الإسرائيلي العسكري والأمني راسخا على أرض الواقع. ففي عام 2009، عندما زار الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز أذربيجان، أعلن أن الشركة الإسرائيلية للملاحة الجوية ستنشئ مصنعا في باكو، ويدور الحديث عن شركة متخصصة في تصنيع أنظمة الطائرات المسيرة، وتم بيع منتجات الشركة لأكثر من 20 عميلا للدفاع والجيش والأمن الداخلي في 15 دولة.

صفقات ومحطات

ومباشرة عقب تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، تم بناء محطات رصد وجمع معلومات بالتعاون مع إسرائيل، لجمع المعلومات الاستخباراتية الإلكترونية على طول الحدود بين أذربيجان وإيران.

وفي عام 2011 بدأت إسرائيل تزويد أذربيجان بطائرات مسيرة لمراقبة الحدود.

وفي عام 2012، وقّعت إسرائيل وأذربيجان صفقة أسلحة علنية، تم بموجبها بيع طائرات مسيرة وأنظمة مضادة للطائرات وأنظمة مضادة للصواريخ بقيمة 1.6 مليار دولار لأذربيجان.

وتطورت العلاقات الاستخبارية بين البلدين وخرجت من السرية للعلن، بحيث تم كشف النقاب عن سماح باكو لإسرائيل باستعمال قواعد عسكرية منتشرة في أذربيجان. بينما قامت إيران في شباط/فبراير 2012، بتوبيخ أذربيجان للاشتباه في دعمها وتحريضها على أنشطة الموساد الإسرائيلي المناهضة لإيران.

وأتى هذا التوبيخ الإيراني وسط الوجود العسكري الإسرائيلي في باكو، وبعد أن اعتقلت أذربيجان في شباط/فبراير 2012 خلية وصفتها بـ"الإرهابية" وزعمت أنها مرتبطة بإيران وحزب الله.

وفي مطلع آذار/مارس من نفس العام، اعتقلت باكو 22 شخصا يشتبه في ارتباطهم ببرنامج إيراني ضد أهداف في أذربيجان، بما في ذلك السفارتان الإسرائيلية والأميركية.

وفي ظل هذه الأحداث والتقارب العسكري والأمني بين تل أبيب وباكو، أعربت المخابرات والدبلوماسيون الأميركيون عن قلقهم من منح إسرائيل الإذن باستخدام عدد من القواعد العسكرية في أذربيجان، لتنفيذ غارات جوية من شأنها أن تستخدم لوقف برنامج إيران النووي.

قوات أرمنية على إحدى جبهات القتال المشتعلة (الأوروبية)

تعاون وتحالف

ولتدعيم التحالف بين تل أبيب وباكو، سافر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 13 ديسمبر/كانون الأول 2016 سلسلة زيارات إلى منطقة القوقاز، ووصل إلى أذربيجان بمناسبة مرور 25 عاما على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، علما بأن نتنياهو أجرى زيارة سرية إلى أذربيجان عام 1997 في ولايته الأولى برئاسة الوزراء.

وخلال الزيارات، تحدث نتنياهو مع الرئيس الأذري إلهام علييف، وبحث معه تعزيز التعاون الأمني والعسكري الإسرائيلي مع أذربيجان، ووضع الجالية اليهودية فيها، والصفقات الأمنية، كما تم توقيع اتفاقيات تعاون تجاري بعشرات مليارات الدولات، ومعاهدة لمنع الازدواج الضريبي.

وعقب زيارة نتنياهو لباكو، أعلن الرئيس علييف أن بلاده وقّعت عقودا طويلة الأمد لشراء أسلحة ومعدات أمنية من إسرائيل بقيمة 5 مليارات دولار.

يأتي ذلك على خلفية عداء بلاده مع الجارة الجنوبية إيران التي يدين قادتها مرارا علاقات أذربيجان مع إسرائيل.

الطاقة والاتصالات

ومن المصالح المهمة الأخرى لإسرائيل: استيراد النفط من أذربيجان، إذ تعززت العلاقات بين البلدين في مجال الطاقة والشراكة بين شركات من البلدين في التنقيب عن الغاز والنفط قبالة شواطئ أسدود.

وتستورد إسرائيل من أذربيجان نحو 50% من إجمالي استهلاكها النفطي، والمقدر بنحو 80 مليون برميل في السنة (حوالي 11 مليون طن).

وهذا يعني أن إسرائيل تدفع نحو 2.3 مليار دولار سنويا على الأقل لاستيراد النفط الخام، ويتم دفع أكثر من 1.5 مليار من ذلك لأذربيجان.

ومع تطبيع العلاقات بين البلدين، بدأت الشركات الإسرائيلية مباشرة اختراق أسواق أذربيجان، ومن الأمثلة على ذلك شركة الاتصالات الإسرائيلية "بيزك"، من خلال توقيع اتفاقية تجارية عام 1994، بموجبها اشترت الشركة الإسرائيلية جزءا كبيرا من نظام تشغيل الهواتف والاتصالات في أذربيجان، وباتت "بيزك" تقوم بتثبيت خطوط الهاتف وتشغيل شبكات الاتصال الإقليمية في جميع أنحاء البلاد.

وسّعت إسرائيل تغلغلها في سوق الاتصالات الخليوية في أذربيجان، حيث بدأت شركة "بيكل" (Beckel) أوائل عام 1994 كمشروع مشترك بين وزارة الاتصالات الأذرية وشركة "جي تي آي بي" (GTIB" الإسرائيلية، كأول مشغل خلوي في أذربيجان، بربح سنوي يقدر بأكثر من 100 مليون دولار.

كما تعمل عشرات الشركات الإسرائيلية في مجال الطاقة في أذربيجان. وعلى سبيل المثال، افتتحت شركة "مودكون سيستمز" (Modcon Systems) -وهي مورد عالي التقنية لصناعات النفط والغاز، نشأت في إسرائيل- فرعا لها في أذربيجان.

نتنياهو (يسار) زار أذربيجان سرا عام 1997 عندما كان رئيسا للوزراء في أول ولاية له (الجزيرة-أرشيف)

صادرات وواردات

وبين عامي 2000 و2005، ارتفعت إسرائيل من المركز العاشر في الشراكة التجارية مع أذربيجان إلى المركز الخامس.

ووفقا لبيانات الأمم المتحدة، زادت الصادرات السنوية من أذربيجان إلى إسرائيل بين عامي 1997 و2004 من حوالي 2 مليون دولار إلى 323 مليون دولار، وهو مصدر زيادة أسعار النفط.

واعتبارا من عام 2015، بلغ الميزان التجاري بين إسرائيل وأذربيجان 266 مليون دولار، منها 260 مليون دولار هي صادرات إسرائيلية إلى أذربيجان، و6.2 ملايين دولار من الواردات.

ووفقا لبيانات رسمية من وزارة الاقتصاد الإسرائيلية، يبلغ الميزان التجاري الرسمي بين إسرائيل وأذربيجان حوالي 130 مليون دولار سنويا، لكن في الممارسة العملية -كما كشف الرئيس علييف- تصل إلى المليارات، ويأتي معظمها من صناعتين: النفط والأسلحة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من تقارير وحوارات
الأكثر قراءة