تعثّر المبادرة الفرنسية بلبنان.. لماذا أجّل عون المشاورات النيابية لتشكيل الحكومة؟

عون قرر إرجاء الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس وزراء لتشكيل الحكومة (الأناضول)
عون قرر إرجاء الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس وزراء لتشكيل الحكومة (الأناضول)

تسود لبنان حالة من المراوحة إثر إعلان رئيس الجمهورية اللبناني ميشال عون إرجاء الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس وزراء يتولى تشكيل الحكومة الجديدة في البلاد مدّة أسبوع، بعد أن كانت مقررة اليوم الخميس.

وقد عللت رئاسة الجمهورية قرارها بأنه جاء "بناء على طلب بعض الكتل النيابية لبروز صعوبات تستوجب العمل على حلها".

وقبل ذلك، كان رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري قد بادر إلى ترشيح نفسه لتشكيل الحكومة، وقد أجرت كتلة المستقبل النيابية -التي يرأسها- سلسلة لقاءات بمختلف الكتل النيابية تسهيلا لمهمته التي وضعها في سياق فتح الطريق أمام المبادرة الفرنسية.

الحريري بادر إلى ترشيح نفسه لتشكيل الحكومة (الأناضول)

خريطة المواقف

وفي الساعات الأخيرة التي سبقت تأجيل المشاورات، تكثّفت الاتصالات بين القوى اللبنانية، وبدت خريطة المواقف من مبادرة الحريري على الشكل الآتي: حزب التيار الوطني الحرّ وحزب القوات اللبنانية -وهما التكتلان المسيحيان الأكبر في لبنان- رفضا تسمية الحريري في مشاورات القصر الجمهوري.

وإلى جانب كتلة "المستقبل"، أبدت كل من كتلة رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية و"الوسط المستقل" و"الطاشناق" استعدادًا لتسمية الحريري. كذلك أعلنت مفوضية الإعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه وليد جنبلاط، أن الأخير تلقى اتصالا إيجابيا من الحريري قضى بتعديل موقفه نحو تسميته.

كما تلقى جنبلاط، بحسب البيان، اتصالا من "باتريك دوريل مستشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهدف إنجاح المبادرة الفرنسية وتنفيذ الإصلاحات التي تضمنتها".

وبينما عارض بيان مكتب رئيس مجلس النواب نبيه بري أي تأجيل للمشاورات، كانت كتلة "التنمية والتحرير" التي يرأسها تتجه لتسمية الحريري، ولم يصدر أي موقف رسمي من حليفه حزب الله في هذا الشأن.

باسيل انتقد مساعي الحريري لتشكيل الحكومة (رويترز)

اتهامات باسيل

وفور إعلان تأجيل المشاورات، اعتبرت بعض التحليلات أن قرار الرئيس عون جاء مواكبا لموقف رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الرافض لترشيح الحريري، خاصة وأن باسيل كان قد شنّ هجومًا على رئيس الحكومة السابق، معتبرا أنه لن يقبل بترأسه حكومة اختصاصيين (تكنوقراط) غير حزبيين.

بيد أن هذه الاتهامات نفتها مصادر مقربة من القصر الجمهوري، واضعة قرار عون ضمن إطار إعطاء فرصة إضافية لإنقاذ المبادرة الفرنسية، ولتأمين أجواء تسهل لاحقا عملية التأليف بعد تكليف رئيس للحكومة.

وفي السياق، يتهم عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل مصطفى علوش القيادي باسيل بالوقوف خلف تأجيل المشاورات، ويعتبر في تصريح للجزيرة نت أن قرار عون لا علاقة له بمصلحة البلد، وأن المؤثر الوحيد عليه هو باسيل، واصفًا إياه بـ"رئيس الظلّ الذي لا يقبل تشكيل حكومة يرأسها الحريري من دون مشاركته".

ونفى علوش أن يكون الحريري مدفوعا بشكل مباشر من فرنسا لتشكيل الحكومة، وإنما "مبادرته نابعة من إحساسه بالمسؤولية للاستفادة من الفرصة الوحيدة لإنقاذ المبادرة الفرنسية، وإلا سيكون السقوط حتميا"، وفق تعبيره.

أديب اعتذر عن المضي قدما في تشكيل الحكومة (رويترز)

حكومة وعقبات

وكان عون قد كلف مصطفى أديب بتشكيل حكومة "المهمة" التي دعا إليها الرئيس الفرنسي إيمانيول ماكرون، قبل أن يعتذر يوم 26 سبتمبر/أيلول الماضي عن المضي في الأمر نتيجة خلافات القوى السياسية التي عثّرت تأليف الحكومة. لذا يقول علوش إن "لبنان أثبت فشله بتكليف رئيس مستقل لتشكيل حكومة اختصاصيين".

من جهته، يرفض عضو المكتب السياسي في التيار الوطني الحرّ جيمي جبور كل الاتهامات التي تساق ضدّ باسيل، ويرى أن تأجيل المشاورات ليس خطيئة وإنما هو قرار دستوري، و"سبق أن حصل مرات عدة بطلب من الحريري حين كان مكلفا بتشكيل الحكومات السابقة".

واعتبر جبور في تصريح للجزيرة نت أن وضع لبنان يستدعي تشكيل حكومة بأسرع وقت، ولكن لا بد أن تكون على أسس ثابتة، مؤكدًا أن باسيل لم يطلب تأجيل المشاورات من عون، "بل جاء قرار عون نتيجة التشاور مع بعض الكتل النيابية".

وكان باسيل قد غرد عبر تويتر فور تأجيل المشاورات قائلا "مع احترامنا لقرار رئيس الجمهورية بتأجيل الاستشارات، فإن هذا الأمر لن يغير من موقفنا".

لذا، يرى جبور أن باسيل أكد من خلال موقفه عدم انتظار تواصل الحريري معه لتمثيله في الحكومة، مشيرا إلى أن مطلب التيار الوطني الحر هو "وحدة المعيار" في تشكيل الحكومة، أي إما أن تكون حكومة تكنوقراط ترأسها شخصية من التكنوقراط، وإما حكومة سياسيين يرأسها سياسي.

 

تأجيل وأسباب

في هذا الوقت، ذهب مراقبون لاعتبار أن تأجيل المشاورات جاء نتيجة عدم موافقة التكتلين المسيحيتين الوازنتين -القوات والتيار الوطني الحر- على تسمية الحريري، مما يعني غياب الثقة عن الحكومة المرتقبة.

لكن نائب تكتل القوات اللبنانية جوزيف إسحاق يؤكد في تصريح للجزيرة نت أن رفض تسمية الحريري هو موقف مبدئي نابع من قناعة القوات بضرورة الالتزام ببنود المبادرة الفرنسية. ونفى أن تكون القوات تساهم في عرقلة تشكيل الحكومة.

ويتهم إسحاق ما يصفه بالحلف الثلاثي (حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر) بأخذ البلد إلى الهلاك، و"كأن لم تحصل انتفاضة 17 أكتوبر/تشرين الأول ضدهم ولم يتفجر مرفأ بيروت في وقت يستمر فيه الثلاثي بالتفتيش عن سبل تقاسم البلد"، وفق تعبيره.

ويرى إسحاق أن الحريري دخل لعبة الحلف الثلاثي، في حين أن "القوات مقتنعة بأن لا حل في حكومة سياسية يرأسها سياسي".

من جهته، يكشف الكاتب والمحلل السياسي فيصل عبد الساتر عن معطياته حول تسهيل حزب الله تأجيل المشاورات، وذلك "منعا لخلق مناخات متشنجة في البلد إذا جرى تكليف الحريري من دون موافقة مختلف القوى، وفي طليعتها التيار الوطني الحر".

وقال عبد الساتر للجزيرة نت إن موقف عون لم يكن كيديا لأنه "حتى تسمية الاختصاصيين يجب أن تكون بناء على توافق سياسي".

مصير ومحاولات

وبشأن مصير تشكيل الحكومة، يرى مصطفى علوش أن محاولات باسيل ستبوء بالفشل أمام مهمة الحريري الذي لن يسحب ترشيحه لتشكيل الحكومة.

في المقابل، يعتبر عبد الساتر أن موعد الاستشارات النيابية الخميس المقبل سيكون حاسما في لبنان، إذا لم تطرأ تدخلات خارجية تأجل الملف الحكومي إلى ما بعد الانتخابات الأميركية.

من جهته يعتبر جيمي جبور أن الفراغ الدستوري لن يطول، لكن "تشكيل الحكومة يشترط توفر وحدة المعاير التي لن يتنازل فريق باسيل عنها".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من تقارير وحوارات
الأكثر قراءة