أميركا والمسلمون بين خطابين.. أوباما فتح صفحة جديدة وبومبيو يواجه إيران

أميركا والمسلمون بين خطابين.. أوباما فتح صفحة جديدة وبومبيو يواجه إيران

أوباما بدأ خطابه باللغة العربية "السلام عليكم" وبومبيو يصف عهده بعصر العار (رويترز)
أوباما بدأ خطابه باللغة العربية "السلام عليكم" وبومبيو يصف عهده بعصر العار (رويترز)

 الجزيرة نت-القاهرة

لم تكن المسافة بين مقري جامعة القاهرة والجامعة الأميركية في العاصمة المصرية، هي البعد الوحيد بين خطاب وزير الخارجية الأميركي الحالي مايك بومبيو وخطاب الرئيس السابق باراك أوباما، بل كان المضمون هو الفرق الأهم بين خطابين يؤشران على زمانين مخلتفين، وإستراتيجيتين متضادتين.

ففي عام 2009، وقف أول رئيس أميركي من أصول أفريقية يخاطب العالم الإسلامي من قلب جامعة القاهرة، بكلمات بليغة وطريقة إلقاء جذابة، مستخدما بعض الكلمات العربية، وسط حضور متنوع ومتابعة إعلامية واسعة، واهتمام شعبي، مؤكدا سعيه لإرساء علاقة جديدة بين بلاده والعالم الإسلامي، من خلال تجاوز الخلافات التي سببت عقودا من التوتر بين الطرفين، ومحملا الطرفين المسؤولية عن النظرة السلبية المتبادلة والعلاقات المتدهورة.

انتهى عصر العار
غير أن بومبيو الذي اختار الجامعة الأميركية وسط حضور نخبوي، انتقد خطاب أوباما ووصف فترة حكمه أنها "عصر العار الأميركي"، قائلا "عصر العار الذي فرضته أميركا على نفسها قد ولى، وولت السياسات التي ولدت كل هذه المعاناة".

وكأنه كان يتوقع المقارنة بين خطابه وخطاب أوباما؛ تحدث بومبيو بشكل مباشر ولافت للنظر عن الخطاب، بقوله "هنا في نفس هذه المدينة، وقف أميركي آخر ليخاطبكم عام 2009، قال لكم إن الإسلام المتطرف لا ينبع من أيدولوجية، وأن أحداث 11 سبتمبر (أيلول) دفعت بلادي للتخلي عن مثلها ومصالحها العليا في الشرق الأوسط، وقال إن الولايات المتحدة والعالم الإسلامي بحاجة إلى بداية جديدة"، مؤكدا أن نتائج هذه الأحكام الخاطئة كانت وخيمة.

وأوضح بومبيو أن إساءة التقدير من قبل الإدارة الأميركية بأن الولايات المتحدة تشارك في آفات الشرق الأوسط، جعلها تتخوف من تأكيد قوتها بينما كان يطالب شركاء أميركا بذلك، مستطردا "لقد أسأنا التقدير وبصورة فادحة في مدى قوة وشراسة الإسلام المتطرف".

ووصف أميركا بأنها "قوة تخدم الخير" في الشرق الأوسط، مضيفا "تعلمنا أنه عندما تتراجع أميركا يتبع ذلك الفوضى، وعندما نتجاهل أصدقاءنا يتراكم الاستياء، وعندما ندخل في شراكة مع أعدائنا يتقدمون".

بومبيو دعا الدول العربية إلى تناسي الخلافات من أجل مواجهة إيران (رويترز)

الإستراتيجية الجديدة
ويلخص عنوان خطاب بومبيو الرسالة التي أراد توجيهها "قوة من أجل الخير.. أميركا تسترد قوتها في الشرق الأوسط"، حيث أعلن عن الإستراتيجية الأميركية الجدية في المنطقة، وهي مواجهة إيران باعتبارها أهم أخطار المنطقة، على العكس من إستراتيجية إدارة أوباما التي رأت أن المنطقة تمر بعدة أزمات من بينها إيران وعملية السلام والديمقراطية والتنمية الاقتصادية وحقوق الإنسان.

ودعا بومبيو دول الشرق الأوسط إلى تجاوز "الخصومات القديمة" لمواجهة إيران، وقال "حان الوقت لإنهاء الخصومات القديمة"، مؤكدا أن ادارته "تعمل على إقامة تحالف إستراتيجي في الشرق الأوسط لمواجهة أهم الأخطار في المنطقة".

وفي إشارة إلى دور إدارة أوباما في دعم ثورات الربيع العربي، انتقد بومبيو السياسات التي أدت إلى "تجاهل التنوع الثري للشرق الأوسط، وأضعفت أواصر قديمة، وقوضت مبدأ الدولة الوطنية، وهي حجر أساس الاستقرار العالمي".

حديث بومبيو عن أهمية "الدولة الوطنية" التي يتحدث عنها دائما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، دفعت الكاتب الصحفي أنور الهواري إلى اعتبار الخطاب بمثابة النقيض الكامل لخطاب أوباما.

أوباما: السلام عليكم
ورغم انتقاد بومبيو لخطاب أوباما، فإنه استخدم بعض الأفكار الواردة فيه، خاصة عند الحديث عن العلاقة بين أبناء الديانات السماوية الثلاث، بقوله "نحن جميعا أبناء سيدنا إبراهيم عليه السلام مسيحيون ومسلمون ويهود". وعلى غرار أوباما تحدث بومبيو عن العلاقة التاريخية بين أميركا ودولة المغرب، قائلا "تمتعنا بعلاقات مثمرة في الشرق الأوسط لمئات السنين، وعلينا أن نبقي عليها، والروابط بيننا وبين المغرب تعود إلى عام 1777".

وفي خطابه عام 2009، ركز الرئيس الشاب على معاني السلام، مستخدما تحية الإسلام "السلام عليكم"، وهو ما ألهب مشاعر الحضور، وردوا عليه بتصفيق حار. وقال أوباما "أتيت إلى هنا للبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي استنادا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، وهي بداية مبنية على أساس حقيقة أن أميركا والإسلام لا يعارضان بعضهما البعض، ولا داعي أبدا للتنافس فيما بينهما".

وأسهب الرئيس الأميركي السابق في الحديث عن الحضارة الإسلامية ودورها في النهضة العلمية التي يشهدها الغرب حاليا، كما تحدث عن دور المهاجرين المسلمين في بناء بلاده، مشيرا إلى أن دولة المغرب كانت أول دولة تعترف باستقلال أميركا.

وأكد أن من مسؤوليته كرئيس للولايات المتحدة، التصدى للصور النمطية السلبية عن الإسلام أينما ظهرت، داعيا المسلمين كذلك إلى التصدي للصورة النمطية عن أميركا.

أوباما دعا إلى فتح صفحة جديدة بين العالم الإسلامي وأميركا (رويترز)

أزمات المنطقة
وتحدث أوباما عن عدة أزمات رئيسية تسبب التوتر في المنطقة، وعن عدة مخاطر، لا عن خطر وحيد كما فعل بومبيو الذي ركز الحديث حول إيران.

أولى الأزمات التي تحدث عنها أوباما، كانت ضرورة مواجهة من وصفهم "بالمتطرفين"، مؤكدا أن العقيدة التي يتحلى بها أكثر من مليار مسلم تفوق عظمتها بشكل كبير الكراهية الضيقة التي يكنها البعض، مضيفا أن "الإسلام ليس جزءا من المشكلة المتلخصة في مكافحة التطرف العنيف، وإنما يجب أن يكون الإسلام جزءا من حل هذه المشكلة".

الأزمة الثانية هي القضية الفلسطينية، حيث دعا حركة حماس إلى الاعتراف بحق إسرائيل في البقاء، مضيفا "وفي نفس الوقت، يجب على الإسرائيليين الإقرار بأن حق فلسطين في البقاء حق لا يمكن إنكاره".

الأزمة الثالثة التي تحدث عنها الرئيس الأميركي السابق، كانت أزمة انتشار الأسلحة النووية، التي تطرق من خلالها إلى الأزمة بين واشنطن وطهران، مذكرا بدور أميركا في الإطاحة بحكومة إيرانية منتخبة، وبدور إيران في خطف رهائن أميركيين. ولفت إلى أن التغلب على فقدان الثقة الذي استمر لعشرات السنوات سيكون صعبا، متابعا "نحن مستعدون للمضي قدما دون شروط مسبقة على أساس الاحترام المتبادل".

وحلت أزمة الديمقراطية في المرتبة الرابعة، حيث أكد أنه لا يمكن لأي دولة ولا ينبغي لها أن تفرض نظاما للحكم على أي دولة أخرى، لافتا إلى أن أميركا لا تفترض أنها تعلم ما هو الأفضل بالنسبة للجميع، كما لا تفترض أن تكون نتائج الانتخابات السلمية هي النتائج التي تختارها.

وتطرق إلى أزمات الحريات الدينية وحقوق المرأة والتنمية الاقتصادية، موضحا أن هناك الكثير من المسلمين وغير المسلمين الذين تراودهم الشكوك حول "قدرتنا على استهلال هذه البداية، وهناك البعض الذين يسعون إلى تأجيج نيران الفرقة والانقسام"، مشددا على أن خوض الحروب أسهل من إنهائها.

وفي لفتة أثارت إعجاب الحضور والمشاهدين، اختتم أوباما خطابه التاريخي باقتباسات دينية، من القرآن الكريم "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"، ومن التلمود "إن الغرض من النص الكامل للتوراة هو تعزيز السلام"، ومن الإنجيل "هنيئا لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعونَ"، مختتما خطابه كما بدأه بتحية الإسلام "السلام عليكم".

المصدر : الجزيرة + وكالات