قصة مروة.. الصدمات النفسية لما بعد الحرب السورية

ميادة المشرفة النفسية أثناء جلسة استماع لمروة بمستشفى سرمدا للأمراض النفسية(الجزيرة)
ميادة المشرفة النفسية أثناء جلسة استماع لمروة بمستشفى سرمدا للأمراض النفسية(الجزيرة)

علاء الدين عرنوس-إدلب

إن كان ثمة أمل بالحياة للناجين من جحيم الحرب السورية، فإن خلاصهم لا يتوقف عند النجاة من جحيم القصف وغياهب السجون، إذ إن أثرا بالغا سيرافقهم ويقض مضاجعهم، فلطالما اختزنت ذاكرتهم صور الحرب بكل مواجعها، تلك هي الصدمة أو مرحلة ما بعد الصدمة كما يسمها الأطباء النفسيون.

وتشير أحدث الأرقام إلى أن الاضطرابات النفسية جاوزت حاجز المليون حالة، مع مرور أكثر من ثمانية أعوام على الحرب السورية الدامية.

في زيارتها الأولى، تجلس الحاجة ناهد في غرفة الزوار منتظرة ابنتها مروة المريضة بالذهان العقلي، آملة أن تراها بحال أفضل مما كانت عليه عند دخولها قبل عشرة أيام مستشفى الأمراض النفسية بمدينة سرمدا المتربع على سفح جبل متطرف أقصى الشمال السوري، حيث تخضع مروة لخطة علاجية هادئة تساعدها على تجاوز صدمتها التي بدأت قبل عامين.

ألم ومعاناة
بحسرة واضحة، تحدثت والدة مروة للجزيرة نت عن ظروف مرض ابنتها التي لم تتجاوز العشرين من عمرها، فمروة كما تروي الأم لم تعان قبل الحرب في سوريا من أي اضطراب سلوكي، مشيرة إلى تعرض ابنتها لطلقٍ ناري كاد أن يودي بحياتها، فضلا عن تحصيلها الدراسي الذي تسبب تراجعه بأولى علامات الصدمة النفسية لمروة.

مستشفى سرمدا للأمراض النفسية هو الوحيد في محافظة إدلب التي تضم 3.5 ملايين مدني عانى أغلبهم من تبعات الحرب (الجزيرة)

تعترف ناهد أنها لم تتردد في عرض ابنتها على سحرة ومشعوذين بحثا عن علاج، وسافرت مع ابنتها إلى مقاصد بعيدة لا تخلو من المخاطرة في ظل الأوضاع المتردية، وتتذكر "ذهبنا العام الماضي إلى شرق مدينة حمص في طلب أحد السحرة، لكنه لم يفعل شيئا سوى أنه ضرب ابنتي مرارا وحبسها ليومين".

وقالت الأم بنبرة لا تخلو من الرجاء، في لحظة نزول مروة من جناحها وقد بدت عليها علامات التحسن "بدأت انتكاسة ابنتي فجأة دون إشارات مسبقة، ولم نكن نعرف ما الذي نستطيع فعله".

انتكاس إضافي
تقول ميادة المشرفة النفسية على خطة علاج مروة إن مريضتها تعاني من الذهان العقلي الحاد الناتج عن تراكمات نفسية متفاوتة، والذي يدفع بها إلى تخيل عالم غير منسجم مع واقعها دون إدراك أو وعي لما تفعل.

وتستطرد ميادة "القصف الذي طال بلدة مروة بريف حلب الجنوبي دفع أسرتها للنزوح مرارا باتجاه المناطق الحدودية، وأجبرتها الظروف غير المستقرة على قطع دراستها ودخول عالم العمالة المبكرة. فضلاً عن أن سوء المعاملة والحبس من قبل ذويها فاقم من انتكاسة الفتاة على نحو فادح".

بدأت مروة تستجيب للأنشطة الذهنية والحركية قياسا على حالتها قبل خضوعها للعلاج. وتحتاج وفقا للفريق الطبي المشرف، أربعة أسابيع إضافية لتجاوز مرحلة الخطر في انتكاستها، وتعود تدريجيا إلى محيطها، إذا ما حظيت بدعم جدي من أفراد أسرتها.

قصص صادمة
في المستشفى الوحيد شمالي سوريا، تمتلئ سجلات التشخيص بعشرات القصص المرتبطة بتداعيات الحرب لمرضى عانوا أنواعا مختلفة من الانتهاكات، وتعرضوا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في ظل ظروف بالغة الأثر، للقهر والتهجير والاعتقال والخطف، أو كتب لهم النجاة من موت محتم.

محمد ساطو مدير مستشفى الأمراض النفسية بسرمدا أثناء تدريب للأطباء غير المتخصصين على التعامل مع الأزمات النفسية الحادة (الجزيرة)

ويشير كبير الأطباء النفسيين في اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية محمد ساطو إلى أن قرابة مليون متضرر من الحرب السورية هم بحاجة إلى أنواع مختلفة من الدعم النفسي، في حين "لا يزالون يعيشون في بيئة غير مستقرة بالأساس تحت وطأة صدمات متفاقمة".

ويقول ساطو إن نحو 292 مريضا عانوا من أزمات نفسية حادة تمت معالجتهم خلال العام، فضلا عن 4761 استشارة نفسية مختلفة، لافتا إلى وجود 133 حالة فصام المعروفة بالشيزوفرينيا التي كانت الأكثر شيوعا ضمن الأمراض النفسية الحادة، مقابل 111 مريضا اختلفت تشخيصاتهم بين الاضطرابات الثنائية القطب والنوبات الذهانية والاكتئاب.

ويخلص ساطو إلى أن وحدته قدمت أيضا استشارات نفسية لمتطوعين وعمال في فرق الدفاع المدني والمنظمات الإنسانية عايشوا بدورهم صورا مأساوية بشكل متفاوت.

في الجانب المشرق من القصة، يذكرك مستشفى سرمدا أن فداحة الحرب السورية جعلت من اسم العصفورية (مستشفى المجانين) في الثقافة الشعبية السائدة مجرد مفردة بائدة محتها آمال المتضررين في تجاوز محنتهم.

المصدر : الجزيرة