الكتب المستعملة.. ملاذ أسر مغربية لمواجهة تكاليف الدراسة

محمد بائع الكتب المدرسية المستعملة وسط وجدة (الجزيرة نت)
محمد بائع الكتب المدرسية المستعملة وسط وجدة (الجزيرة نت)

وجدة-الجزيرة نت

عندما كان محمد بائع الكتب المستعملة في ساحة بجوار سوق مليلية بمدينة وجدة شرقي المغرب؛ منهمكا في ترتيب الكتب استعدادا لاستقبال زبائنه، لمحت عيناه فتييْن يتجوّلان في الساحة، فأدرك منذ الوهلة الأولى أنهما يحملان كتبا مستعملة ويريدان بيعها في السوق.

نادى محمد بأعلى صوته طلبا في قدومهما حتى يشتري منهما الكتب، تلافيا أن يسبقه إلى ذلك باقي الباعة المنتشرين في الساحة، ودخل الطرفان بعد ذلك في مساومات استمرت زهاء ربع ساعة.

عرض الفتيان كتبهما، اختار منها محمد تسعة واقترح عليهما سعر 55 درهما (نحو 6 دولارات) لاقتنائها، لكنهما رفضا بشدة، وطالبا برفع السعر إلى 70 درهما ليرضخ البائع الذي قضى 30 عاما مزاولا هذا النشاط في النهاية لرغبتهما.

غير بعيد عن المكان شابتان تفاوضان بائعا آخر، لكن هذه المرة من أجل اقتناء كتب مدرسية مستعملة لفائدة شقيقهما الأصغر الذي سيلتحق هذه السنة بالصف الثامن. فمع اقتراب الموسم الدراسي 2018-2019 تنطلق رحلة الأسر المغربية المحدودة الدخل للبحث عن كتب مدرسية مستعملة لأبنائها.

كتب مدرسية مستعملة معروضة للبيع في وجدة (الجزيرة نت)

نصف السعر
بعد مفاوضات حول السعر المناسب تمكنت الشقيقتان من اقتناء كل الكتب التي يحتاجها شقيقهما بسعر 100 درهم (10.6 دولارات)، أي بنصف السعر الذي كانتا ستدفعانه لو قررتا اقتناء كتب جديدة.

مشاهد بيع وشراء الكتب المدرسية المستعملة تتكرر يوميا في هذه الساحة وفي مناطق أخرى من المدينة وحتى في معظم المدن المغربية، حيث تلجأ آلاف الأسر إلى بيع الكتب المدرسية المستعملة مقابل اقتناء أخرى مستعملة أيضا في سبيل التقليل من مصاريف دراسة الأبناء.

بيع هذه الكتب المستعملة بالنسبة للعشرات من الباعة في مدينة وجدة، نشاط موسمي ينطلق قبل انطلاق الموسم الدراسي وينتهي بعد شهر على انطلاقه.. هذه المدة كافية بالنسبة لمحمد النوالي المشرف على مكتبة المقدمي مصطفى المعروفة سابقا بمكتبة المراكشي والواقعة بشارع طايرت، لضمان دخل إضافي يغطي به مصاريف المحل التي تصل إلى 3000 درهم (318 دولارا).

ويؤكد المشرف على المكتبة المختصة في بيع جميع الكتب المستعملة أنه رغم الدعم الذي تلقته من وزارة الثقافة لإعادة تنظيمها، فإن موسم بيع الكتب المدرسية المستعملة فرصة لتحسين الدخل وتغطية خسائر كل السنة.

محمد أيضا الذي يعمل في باقي أيام السنة بائعا متجولا بين أزقة وسط مدينة مليلية، يلجأ إلى هذا النشاط حتى يضمن دخلا يساير به تكاليف الحياة اليومية.

ويؤكد في حديثه للجزيرة نت أن الأرباح تراجعت بعض الشيء بسبب الإجراءات التي اتخذتها وزارة التربية والتعليم، والمتعلقة أساسا بإدخال بعض التخصصات الجديدة وتغيير بعض المقررات كما هو شأن كتاب التربية الإسلامية، وأيضا بالنظر إلى ما توفره الدولة من كتب مجانية لتلاميذ التعليم الابتدائي.

المشرف على مكتبة المقدمي للكتب المستعملة والقديمة محمد النوالي (الجزيرة نت)

توفير الكتب
تضخ الحكومة المغربية سنويا 360 مليون درهم (38.1 مليون دولار) لتوفير الكتب المدرسية لتلاميذ الصفوف الابتدائية مجانا، في إطار مبادرة أطلقها الملك محمد السادس منذ تسع سنوات باسم مبادرة "مليون محفظة".

في المقابل وللتخفيف من تكاليف اقتناء الكتب المدرسية، تلجأ الثانويات إلى اقتطاع جزء من ميزانياتها لاقتناء الكتب المدرسية وإعارتها للتلاميذ بثمن رمزي.

ويؤكد الباحث في قضايا التربية والتعليم المختار شحلال أن التلاميذ في المستويات الثانوية يمكنهم شراء الكتب من إدارة المؤسسات بعشرة دراهم لكل كتاب، على أساس استعادة نصف قيمة الاستعارة بعد إرجاع التلميذ للكتاب نهاية الموسم الدراسي. ويمكن للتلاميذ الذين يقررون استعارة جميع كتب المقرر الدراسي الاستفادة من تخفيض أكبر.

ويربط شحلال بين لجوء الأسر إلى اقتناء واستعارة الكتب المستعملة وبين قدرتها الشرائية التي لا تسمح لها باقتناء كتب جديدة، خاصة عندما يكون رب الأسرة مضطرا لتوفير الكتب لثلاثة أو أربعة أبناء، علما بأن هناك كتبا تخص التعليم التقني تصل أسعارها إلى 120 درهما للكتاب الواحد.

ويكشف أنه يتم تغذية المكتبات المدرسية بالكتب الجديدة باستمرار من المداخيل التي تتحصل عليها من عمليات الإعارة، لكنه يرى أن الحل الجذري هو تعميم مبادرة "مليون محفظة" على جميع المستويات.

المصدر : الجزيرة