الطوابير على مد البصر.. من يمنع الوقود عن صنعاء؟

عشرات من الدراجات النارية تتكدس أمام محطة للوقود بصنعاء (رويترز)
عشرات من الدراجات النارية تتكدس أمام محطة للوقود بصنعاء (رويترز)

في مشهد بات يتكرّر يوميا، يقضي مئات اليمنيين في صنعاء -الخاضعة لسيطرة الحوثيين- ساعات أمام محطات الوقود، مشكلين صفوفا طويلة من السيارات والشاحنات والدراجات النارية، بينما يسير آخرون في الشوارع وهم يبحثون عن وسيلة للحصول على الغاز المنزلي.

فمنذ اندلاع الحرب في اليمن بين قوات الشرعية ومسلحي جماعة الحوثي، وما تخلل ذلك من سيطرة قوات التحالف الإماراتي السعودي -الداعمة لحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي- على معظم منافذ البلاد؛ حدث نقص كبير في المشتقات النفطية وارتفاع كبير في أسعار ما يتوفر منها، فتضاعف سعر الغاز المنزلي والديزل ووقود السيارات.

وتختلف معاناة السكان وتطول من يوم لآخر، فسائق الأجرة فهد أحمد عثمان انتظر يومين على أمل تعبئة خزّان سيارته بالوقود والعودة إلى عمله في شوارع العاصمة اليمنية، لكن ما إن اقترب من المحطّة حتى أغلقت أبوابها بداعي نفاد الوقود.

وروى الرجل الثلاثيني لوكالة الأنباء الفرنسية جانبا من هذه المعاناة اليومية وهو جالس في سيارته البيضاء حيث لا خيار أمامه سوى الانتظار، وقال "لا بدّ أن أبقى إلى أن يصل الوقود إلى المحطة".

بعض سكان صنعاء يتهمون التجار بالاحتكار واستغلال الأزمة لصالحهم (رويترز)

السوق السوداء
وتفاقمت أزمة المشتقات النفطية والغاز المنزلي خلال الأيام الماضية، بعدما تمكنت القوات الموالية للحكومة الشرعية من قطع طريق رئيسي يربط صنعاء بمدينة الحديدة التي تضم ميناء رئيسيا على البحر الأحمر يدخل منه الوقود والغذاء.

وبينما تتهم جماعة الحوثي التحالف الداعم للقوات الحكومية بمنع المشتقات النفطية من الدخول، يتهم بعض السكان السلطات التابعة للجماعة والتجّار باستغلال الأوضاع المعيشية الخانقة في البلاد لتحقيق أرباح إضافية.

وقال محمد الروضي وهو يقف أمام محطة للوقود في صنعاء، إن "التجّار يحاولون أن يستغلوا الظروف ويخزّنوا الوقود من أجل بيعه في وقت لاحق في السوق السوداء".

وأضاف الروضي الذي يشير إلى المحطة بينما يقوم مسلح بتنظيم دخول السيارات ببطء إليها، "هذا يحدث الآن. صاحب هذه المحطة يريد إغلاقها بداعي نفاد الوقود، لكن الخزانات مليئة".

وأمام محطة وقود أخرى في صنعاء، جلس صفوان الخلاني فوق مقعد دراجته النارية بين عشرات آخرين ينتظرون دورهم للحصول على الوقود، وقد وضع قبعة على رأسه تحميه من حرارة الشمس.

وقال الشاب العشريني بغضب "هذا حرام. لقد دمّرتنا الحرب. نبحث كل يوم عن الوقود، أو بالأحرى عن أي شيء. هل نحن مواطنون أم ماذا؟".

سيارات تنتظر أن يصلها الدور أمام إحدى محطات الوقود (رويترز)

شريان حياة
وأقرّ الحوثيون في بيان نشرته وكالة "سبأ" الناطقة باسمهم بوجود "صعوبات.. لتوفير احتياجات المواطنين من المشتقات النفطية والغاز المنزلي"، لكنهم ألقوا اللوم على "العدوان والحصار"، متعهدين في الوقت ذاته بمكافحة غلاء الأسعار.

وكان التحالف السعودي الإماراتي قد أطلق في يونيو/حزيران الماضي حملة عسكرية ضخمة على ساحل البحر الأحمر بهدف السيطرة على ميناء الحديدة، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

ويرى التحالف العسكري في ميناء الحديدة ممرّا لتهريب الأسلحة ومهاجمة سفن في البحر الأحمر، ويطالب بانسحاب الحوثيين منه ومن المدينة لتجنيبها حرب شوارع. وقد أثار الهجوم مخاوف منظمّات إنسانية كون ميناء الحديدة يعتبر شريان حياة لملايين السكان.

وبينما يلقي البعض اللوم في الأزمة الحالية على الحصار الذي يفرضه التحالف الإماراتي السعودي على اليمن، بما فيه الحديدة؛ يرى آخرون سبب الأزمة هو غياب الرقابة.

وضمن هذا السياق، قال المواطن اليمني صدام غالب (28 عاما) الذي يقود دراجة نارية إن "سبب عدم توفر الوقود ليس الحديدة لأنه متوفر في السوق السوداء، هناك محاولة لافتعال أزمة حتى ترتفع أسعار المشتقات النفطية".

أزمة حادة
ومن المتضررين من أزمة المشتقات المقاول محسن محيميد (38 عاما) الذي حرم من العمل طوال الأيام الأربعة الماضية، مما أدى إلى خسارته مدخوله الذي يتقاضاه يوميا، إذ إنه يحتاج إلى سيارته للتنقل والعمل.

ونقل محيميد جانبا من المعاناة بالقول "إذا أردت الوقود قلا بدّ أن أقف في صف لمدة يومين حتى أستطيع أن أملأ خزّان سيارة واحدة، الآن أعمالي متوقفة بسبب ذلك".

ولا يختلف المدير التنفيذي للجنة الإنقاذ الدولية "آي آر سي" وزير الخارجية البريطاني السابق ديفد ميليباند -الذي زار اليمن لثلاثة أيام- مع بقية سكان العاصمة في وجود أزمة حادة في الوقود، وقال إن "صفوفا طويلة من السيارات تنتظر في محطات الوقود لمدة تصل إلى 24 ساعة".

وأضاف ميليباند في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية أن "الفقر في مواجهة أسعار الغذاء المتزايدة للغاية ونقص المعدات الطبية، كل هذه تساهم في صدمات حقيقة، بالإضافة إلى تشكيلها خطرا حقيقيا خاصة على الأطفال الصغار والرضع".

وتضع الحرب في الحديدة مليون طفل إضافي في اليمن في مواجهة خطر المجاعة، حسب ما حذّرت الأربعاء منظّمة "أنقذوا الأطفال" الإنسانية، خصوصا في ظل استمرار قطع طريق رئيسي يربط الحديدة التي يعتبر ميناؤها شريان حياة لملايين السكان في العاصمة صنعاء ومحافظات أخرى.

المصدر : الفرنسية