جرحى تعز مثخنون بالألم والخذلان

الجريح محمد عبد الله المحمودي يحمل الحكومة مسؤولية عدم توفير المضادات الحيوية بالمستشفيات (الجزيرة نت)
الجريح محمد عبد الله المحمودي يحمل الحكومة مسؤولية عدم توفير المضادات الحيوية بالمستشفيات (الجزيرة نت)

عبد الحكيم هلال-تعز

مع بدايات اندلاع الحرب اليمنية هرع الشاب محمد عبد الله المحمودي للدفاع عن مدينته، تعز اليمنية (جنوب غربي)، لكن الشاب العشريني الذي كان يندفع بساقيه القويتين والسريعتين بين المعارك انتهى به المطاف مقعدا في غرفة صغيرة.

يتذكر المحمودي ذلك اليوم جيدا، 8 يناير/كانون الثاني 2016 بمنطقة ثعبات الجبهة الشرقية، "بينما كنت أجالد العدو إذا بي فجأة أسقط على الأرض ولم تسعفني قدماي على الوقوف بل حتى أني لم أعد أشعر بهما".

أُسعف إلى مستشفى محلي، وبعد عشرة أشهر تقريبا خرج منه بلا ساقين، بترت الساق اليسرى من أعلى الركبة، واليمنى من أسفلها.

يؤمن المحمودي بأن ذلك قضاء وقدر، لكنه أيضا لا يعفي حكومته من المسؤولية، لأن وزارة الصحة لم توفر أمصال المضادات التي كان بحاجتها لتفادي المضاعفات، مما تسبب بغرغرينا أدت إلى البتر.

المدير التنفيذي لرابطة جرحى تعز نشوان الحيدري (الجزيرة نت)

ساقان إلكترونيتان
كما حمل مسؤولية وضعه الحالي للجنة الطبية للجرحى بتعز التي رفضت منحه قيمة ساقين إلكترونيتين، كان الأطباء الأتراك نصحوه وتسعة آخرين من زملائه مبتوري الأطراف بشرائها أثناء تلقيهم العلاج في تركيا ضمن منحة طبية من الحكومة التركية شملت 165 جريحا من تعز مطلع 2017.

حصدت ثلاث سنوات ونصف السنة من الحرب آلاف الجرحى في تعز عسكريين ومدنيين، وما زالت تحصد الكثير منهم حتى الآن.

وتؤكد إحصائية حكومية أن عدد جرحى تعز يبلغ نحو 21 ألف طبقا لبيان صادر عن اللجنة الطبية لجرحى تعز في 26 يوليو/تموز الماضي، وأشارت إلى أن أغلبهم تماثلوا للشفاء ولم يتبق سوى ثلاثة آلاف جريح بحاجة ماسة للعلاج.

وقالت اللجنة إن أكثر من خمسمئة جريح مبتورو الأطراف، وأكثر من 260 جريحا أصيبوا بإعاقة كاملة، وأكثر من ألف جريح لديهم إعاقة جزئية، وأغلب هذه الحالات تتطلب نقلها إلى الخارج.

تشكلت اللجنة الطبية لجرحى تعز في 2017 بقرار من رئيس الوزراء، وخصصت لها ميزانية أولية بمليوني دولار، وتترأس اللجنة الطبيبة إيلان محمد عبد الحق التي تشغل أيضا وكيلة المحافظ للشؤون الصحية، وخلال الفترة الأخيرة تعرضت اللجنة لانتقادات واسعة واتهامات بالإهمال والعجز والفساد.

رابطة جرحى تعز (الجزيرة نت)

رابطة الجرحى
وبموازاتها، شكل الجرحى نهاية يونيو/حزيران الماضي منظمة مدنية تحت اسم رابطة جرحى تعز، يتولى إدارتها التنفيذية الجريح نشوان الحيدري الذي بتر الحوثيون ساقه اليمنى بعد اختطافه لأكثر من ستة أشهر في 2016.

ويقول الحيدري للجزيرة نت "لدينا أربعة آلاف جريح حالتهم خطيرة، بينهم أكثر من خمسمئة جريح بحاجة ماسة للعلاج خارج اليمن، وحتى الآن لم تقم اللجنة الطبية بتسفير سوى ستين جريحا فقط".

وأكد الحيدري أن فساد اللجنة شمل الجرحى اليمنيين في الهند، فهم يشكون من تقصير وإهمال اللجنة بصورة دائمة، وعرض عددا من الملفات والصور والفيديوهات التي تضمنت شكاوى عدد من الجرحى في الهند.

وبينما كان يواصل التصفح قال "انظر إلى حال هؤلاء الجرحى الأبطال الذين ضحوا بدمائهم من أجل الوطن.. كيف أصبحوا بائسين يستجدون المعونة".

وأردف "كيف يهانون ويذلون بهذا الشكل من قبل هذه اللجنة التي تنعم بالراحة وراء المكاتب الفاخرة وتصرف قرابة مليوني ريال (أربعة آلاف دولار) شهريا رواتب، ومثلها وأكثر بدل اجتماعات ونثريات وغيره".

صورة الجريح أبو إسلام النظاري (مواقع التواصل الاجتماعي)

جرحى بالهند
تم التواصل عبر برامج التواصل الاجتماعي مع ثلاثة جرحى في الهند ضمن قيادة "رابطة جرحى تعز بالهند"، وهم: يوسف الدهش، وأبو إسلام النظاري، ويوسف الجبل، وحصلت الجزيرة نت على عدد من الوثائق والصور والفيديوهات المتضمنة شكاواهم، معظمها نشرت على مواقع التواصل.

ويمكن تلخيص أبرز تلك الشكاوى بإيجاز كالتالي: إهمال متعمد، تهم بفساد وتلاعب وتعامل مهين مع الجرحى، طرد جرحى من المستشفيات لعدم دفع تكاليف علاجهم، طرد من السكن لنفس السبب، مطاردة الشرطة الهندية لآخرين انتهت تأشيراتهم، رهن جرحى جوازات سفرهم لمواجهة تكاليف العلاج، وحدوث مضاعفات لبعضهم نتيجة الإهمال، وغيرها من المعاناة.

الجريح أبو إسلام النظاري أرسل لنا صورة تغريدة له كان نشرها في 30 يوليو/تموز الماضي يظهر فيها مبتسما بوجهه المشوه كتب جوارها "ألم تعرفوني يا أصدقائي، إنها لجنة الجرحى لم تعالج جراحي، ليس ذنبي تشوه وجهي في الحرب، ولكن ما زال قلبي سليما لأتذكركم".

وتنفي اللجنة الطبية كل تلك التهم، واصفة إياها بـ"الحملات المغرضة التي تحاول استغلال الإشكاليات البسيطة التي يعلم بها الجميع لتشويه اللجنة الطبية".

وأرجع المصدر تأخر عملية تحويل مصاريف وتكاليف علاج الجرحى في الهند إلى آلية الصرف المتبعة في البنك المركزي بعدن، مؤكدا أن اللجنة تمكنت من استخراج المخصصات المالية ولكن واجهت مشكلة في عملية الإرسال كون القانون المصرفي الهندي لا يسمح للأجنبي باستقبال مبالغ مالية كبيرة.

وكيلة المحافظ لشؤون الجرحى إيلان محمد عبد الحق (مواقع التواصل الاجتماعي)

فساد وتجاوزات
يأتي ذلك في حين توصل تقرير خاص للجنة الطبية -رفع حديثا- إلى نتائج تؤكد وجود فساد وتجاوزات للجنة ومندوبها بالهند، فبعد تزايد شكاوى الجرحى في الهند اضطرت اللجنة الطبية إلى إيفاد أحد الأطباء إلى الهند لتفقد أحوال ومشاكل الجرحى، وبعد شهر ونصف عاد الموفد بالتقرير الذي لا تزال تفاصيله طي الكتمان حتى الآن رغم أن اللجنة ناقشته الأسبوع الماضي.

وأكد مصدر مطلع على التقرير -فضل عدم ذكر اسمه- وجود مبالغة كبيرة في كمية الأموال التي حولت حتى الآن لعلاج الجرحى في الهند، وذكر أن "نصف المبلغ المرسل فقط كان كافيا لعلاج كافة الحالات هناك".

وما زالت إيلان محمد عبد الحق رئيسة اللجنة الطبية ووكيلة المحافظة لشؤون الجرحى تنفي -خلال اتصال هاتفي مقتضب معها- كل ما نسب إلى لجنتها من فساد وتجاوزات وإهمال، متهمة الجرحى الذين يقفون وراء ذلك ومن يدعمهم والإعلام المساند لهم بأن لديهم "مشروعا لإسقاطها من رئاسة اللجنة".

المصدر : الجزيرة