أكاديمية للدعاة بمصر.. تجديد الفكر أم حروب الأمن؟

المقر الذي يعاد تأهيله لاحتضان الأكاديمية المرتقبة بمدينة السادس من أكتوبر بالقاهرة(الجزيرة نت)
المقر الذي يعاد تأهيله لاحتضان الأكاديمية المرتقبة بمدينة السادس من أكتوبر بالقاهرة(الجزيرة نت)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

أثار إعلان وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة عزم الوزارة افتتاح أكاديمية عالمية لتدريب وتأهيل الدعاة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل جدلا حول حقيقة الأهداف المرجوة من ذلك وطبيعة الدور الذي ستقوم به الأكاديمية، خاصة أن ذلك يأتي بعد ثلاثة أعوام من إلغائه جميع تراخيص معاهد إعداد الدعاة بمصر.

وخلال اجتماعه بقيادات الوزارة في بور سعيد، قال جمعة إن هذه الأكاديمية ستكون الأكبر في العالم لتدريب وتأهيل الدعاة وتجديد الفكر الديني، مضيفا أنها ستنشر الفكر الوسطي المعتدل البعيد عن الغلو والتشدد بأسلوب عصري، وأنه سيتم التوسع في المدارس العلمية والقرآنية.

وأشار إلى أن التدريب بالأكاديمية سيشمل إيصال مفاهيم حروب الجيل الرابع والخامس وتحديات الأمن القومي، وأنه سيعتمد أسلوبا غير تقليدي وطرقا حديثة تنمي الفكر وتغذي العقل وتساعد على الابتكار، لافتا إلى أن الأكاديمية بابها مفتوح للأئمة من مصر وأفريقيا والعالم.

وشكك مراقبون في الأهداف التي يسعى إليها وزير الأوقاف من تأسيس الأكاديمية حيث رأى البعض أنها تأتي في سياق حرصه على "فرض هيمنة كاملة" على المشهد الديني بمصر بما يحقق رؤية النظام القائم وأجهزته الأمنية، ومحاولة منه لسحب بساط الزعامة الدينية من شيخ الأزهر أحمد الطيب.

‪جمعة قال التدريب بالأكاديمية سيعتمد أسلوبا غير تقليدي وطرقا حديثة تنمي الفكر وتغذي العقل‬ (رويترز)

كيان مواز
ويرى محمد الصغير، مستشار وزير الأوقاف السابق، أن سعي وزير الأوقاف لإطلاق هذه الأكاديمية يأتي في إطار صناعة كيان مواز على هوى السلطة بشكل كامل، ويحقق به هدف النظام بكسر هيبة الأزهر وشيخه بعد مواقفه الأخيرة المخالفة لسياسات النظام.

ويقول الصغير للجزيرة نت إن الأكاديمية المنتظر تدشينها تهدف لتحقيق أغراض أجهزة النظام الأمنية السياسية والفكرية بعد فترة من إغلاق معاهد إعداد الدعاة التابعة لمؤسسات دعوية وخيرية كانت مقصد غير الدارسين بالأزهر من طلبة العلم الشرعي والعمل الدعوي.

ويوضح مستشار وزير الأوقاف السابق أن مناهج المعاهد المغلقة وضعت بإشراف أساتذة بالأزهر، ويؤكد أن وزير الأوقاف الحالي كان قبل الثورة مزروعا من قبل أجهزة الأمن بمكتب مدير الجمعية الشرعية حينها محمد المهدي، وكان أحد القائمين على إدارة تلك المعاهد لاستغلاله بعد الانقلاب في وأدها، حسب قوله.

وكان جمعة قد أصدر في أكتوبر/تشرين الأول 2015 قرارا بإلغاء جميع تراخيص معاهد إعداد الدعاة ومعاهد القرآن والقراءات التابعة لعدد من الجمعيات الدعوية بمصر.

وألغى القرار حينها تراخيص قرابة 96 معهدا لتخريج الدعاة تتبع جهات منها الجمعية الشرعية وجمعية أنصار السنة المحمدية، والدعوة السلفية ودعوة الحق.

ومن حينها أعلنت وزارة الأوقاف عن فتح باب القبول بـ27 مركزا للدراسة والتدريب على الثقافة الإسلامية بواقع مركز في كل محافظة تقريبا، منها عشرون مركزا لإعداد الدعاة مدة الدراسة فيها عامان، وسبعة مراكز للتثقيف الإسلامى مدة دورة دراستها ثلاثة أشهر، وذلك بعد عقد الوزارة اختبارات لاختيار المؤهلين للدراسة بهذه المراكز.

حاتم عبد العظيم:
تأسيس الأكاديمية  يستهدف "تدجين الخطاب الديني" ليكون مواليا بشكل كامل للسلطة، وهذه المؤسسة ستكون بوابة أمنية يمر من خلالها الخطاب الديني

تدجين وفلترة
بدوره يرى أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله حاتم عبد العظيم أن الهدف من تأسيس الأكاديمية "تدجين الخطاب الديني" ليكون مواليا بشكل كامل للسلطة، ولتكون إحدى البوابات الأمنية التي يمر منها الخطاب الديني، ووسيلة لترسيخ حالة السيطرة على منابر الدعوة بمصر.

كما يقول عبد العظيم في حديث للجزيرة نت إن الغاية منها "فلترة" خريجي الأزهر حسب هوى السلطة، حيث لن يسمح لأي منهم بارتقاء المنابر إلا بعد المرور من خلالها بخلاف ما كانت تعمل عليه معاهد إعداد الدعاة المغلقة من تأهيل غير الأزهريين لارتقاء المنابر والدعوة إلى الله.

وحسب مصدر بإدارة أحد المعاهد المغلقة التابعة للجمعية الشرعية، وعددها يقارب الأربعين، فإن هذه المعاهد كانت تستوعب قرابة 15 ألف دارس جديد ويتخرج منها نحو خمسة آلاف سنويا، وكانت محصورة في خدمة الطلبة المصريين من راغبي تحصيل العلوم الشرعية والعربية.

وكانت جمعية أنصار السنة المحمدية تقيم مركزا خاصا بالطلبة غير المصريين، خاصة الوافدين من دول أفريقية، وكانت معاهدها، التي قارب عددها العشرة، تستهدف التركيز على تعليم القرآن الكريم وعلومه الأساسية وتأهيل دعاة للخطابة بالمساجد التي تشرف عليها الجمعية.

‪محمد عوف: الأكاديمية ستسعى لصناعة جيل من الدعاة يتمثل دوره في تخدير المجتمع وعدم مقاومة الظلم‬ محمد عوف: الأكاديمية ستسعى لصناعة جيل من الدعاة يتمثل دوره في تخدير المجتمع وعدم مقاومة الظلم (الجزيرة نت)

تقويض وعلمنة
ويكمن تأثير إغلاق معاهد إعداد الدعاة ثم السعي لإنشاء أكاديمية الدعاة -تحت مظلة النظام- على الحالة الدينية بمصر في كونه أحد حلقات تقويض الخطاب الديني والسعي لعلمنته، حسب ما يرى محمد عوف، عضو جبهة علماء الأزهر الشيخ والأمين العام لمؤسسة شيخ الإسلام.

ويقول عوف إن هذه الأكاديمية ستسعى بالتعاون مع رموز دعوية إعلامية لصناعة جيل من الدعاة في المدن والقرى يتمثل منهجهم في تخدير المجتمع ودعوته لعدم مقاومة الظلم أو مناوءة النظام.

كل ذلك لم يمنع محمد حسونة، وهو إمام وخطيب بوزارة الأوقاف من إبداء ارتياحه لوجود أكاديمية تعمل على تأهيل الدعاة ومدهم بالفكر الوسطي وتدريبهم على الأساليب العصرية في الدعوة، مشيرا إلى أن ذلك يحتمه ضعف مستوى غالبية خريجي الأزهر ممن يعملون في الإمامة والخطابة بمصر.

كما أنه لم يجد حرجا في الاعتراف بأن معاهد إعداد الدعاة التي جرى إيقافها منذ ثلاثة أعوام كانت تقوم بدور مؤثر في تأهيل الدعاة، إلا أن تسرب الأفكار المتطرفة في مناهجها وقيام متشددين عليها استلزم إغلاقها، ومن ثم تأتي أهمية تأسيس هذه الأكاديمية، حسب رأيه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

شهدت القاهرة سلسلة من المباحثات بين مسؤولين من وزارة الأوقاف والأزهر ودار الإفتاء لإنشاء أكاديمية لتدريب الأئمة، فيما اعتبره علماء دين حلقة جديدة للهيمنة على الخطاب الديني الذي تتبناه السلطة.

المزيد من دعوة إسلامية
الأكثر قراءة