مساعدات واشنطن للقاهرة.. لماذا حرمتها ثم منحتها؟!

تقدم واشنطن مساعدات سنوية لمصر بـ1.5 مليار دولار منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979 (رويترز-أرشيف)
تقدم واشنطن مساعدات سنوية لمصر بـ1.5 مليار دولار منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979 (رويترز-أرشيف)

أفرجت واشنطن عن مساعدات عسكرية للقاهرة، بقيمة 195 مليون دولار، كانت قد جمدتها لأسباب تتعلّق بـ"انتهاكات حقوقية"، وقوانين تخص الجمعيات الأهلية في مصر. إلا أن متابعين للشأن المصري استبعدوا ارتباط القرار بتحسن الوضع الحقوقي في مصر.

وقد تعرضت المساعدات الاقتصادية الأميركية لمصر مرارا للتخفيض، كما حدث عام 1999، حين تم الاتفاق على تخفيضها من نحو 800 إلى 400 مليون، ثم أصبحت، منذ عام 2009، قرابة 250 مليون دولار فقط، دون تغيير في الشق العسكري، لتبقى نحو 1.5 مليار دولار مساعدات سنوية.

وعقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، صيف عام 2013، جمدت واشنطن جزءًا من مساعداتها العسكرية المقدمة لمصر، قبل أن تتراجع عن القرار أوائل عام 2014.

وفي أغسطس/آب 2017، قررت الإدارة الأميركية تأجيل صرف 195 مليون دولار إلى مصر "لعدم إحرازها تقدمًا على صعيد حقوق الإنسان والمعايير الديمقراطية"، وهو ما وصفته الخارجية المصرية بـ"الحكم غير العادل".  إلا أن واشنطن أعلنت الأربعاء الماضي الإفراج عن تلك المساعدات.

وعَزت الخارجية الأميركية ذلك إلى "استجابة" مصر لمخاوف أميركية (لم تحددها)، خلال عام من التواصل بين البلدين، وهو ما رحبت به نظيرتها المصرية، وفق تصريحات لمتحدثها أحمد أبو زيد.

المساعدات العسكرية الأميركية لمصر لم تتأثر بتوتر العلاقات حول حقوق الإنسان في مصر (رويترز-أرشيف)

حقوق الإنسان في "الظل"
استبعد العميد المتقاعد بالجيش المصري، صفوت الزيات وجود علاقة بين الإفراج عن المساعدات العسكرية، والأوضاع الحقوقية بمصر.، واستشهد بعقد الكونغرس الأميركي، لجنة استماع عن مخالفات لحقوق الإنسان بمصر، بالتزامن مع الإعلان عن إعادة الجانب المستقطع من المعونات العسكرية.

والثلاثاء الماضي، عقدت لجنة الشرق الأوسط الفرعية في الكونغرس جلسة استماع حول حقوق الإنسان بمصر، أعربت خلالها رئيسة اللجنة إليانا روس ليتنين عن "قلقها الشديد من وضع حقوق الإنسان في مصر".

بدوره، قال الحقوقي المصري البارز، نجاد البرعي، في سلسلة تغريدات بموقع "تويتر"، إن "العلاقات العسكرية الأميركية المصرية غير قابلة للمساومة والاهتزاز لأنها تحقق مصالح الدولتين، ولا علاقة لحقوق الإنسان بالموضوع".

وأضاف، أن من الأسباب الجزئية لعودة المساعدات "توصل الحكومة المصرية ومنظمات أميركية (لم يسمها) إلى اتفاق أدى لإلغاء أحكام بحبس عدد من العاملين بها بمصر، وتحديد ميادين عمل تلك المنظمات والجهات التي ستتعاون معها".

من جانبه يرى المحلل المصري، مختار غباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والإستراتيجية (غير حكومي مقره القاهرة) إن "واشنطن غير غاضبة من القاهرة، حيث الوضع الحقوقي المصري لم يتغير، بخلاف تعليقات كثيرة من منظمات حقوقية دولية كالعفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بشأنه".

ولفت العميد الزيات إلى أن "مصر لا تحصل على المعونة الأميركية نقدًا، وإنما تحصل عليها بتسهيلات ائتمانية من قبل الحكومة الأميركية للجهات الأميركية القائمة على أنظمة التسليح".

قراءات مختلفة
ويعتقد أن للملف الكوري الشمالي علاقة بالمنع والمنح الأميركي لمصر، ففي أغسطس/ آب 2017، ألمحت الخارجية الأميركية، إلى أن قرار حجب جزء من المساعدات الممنوحة لمصر، ربما يكون بسبب تعاون القاهرة مع بيونغ يانغ.

لذلك يرى الزيات، أن "زيارة وزير الدفاع السابق صدقي صبحي إلى كوريا الجنوبية، في أعقاب الانتقادات الأميركية، وتعهد مصر بقطع علاقاتها العسكرية مع بيونغ يانغ، ربما كانت عاملًا مؤثرًا في استئناف المساعدات".

من جانبه يرى غباشي أن طبيعة التعقيدات الأميركية الحاصلة بالشرق الأوسط، دافعا لتوطيد العلاقة بشكل أكبر مع مصر عبر الإفراج عن مساعداتها العسكرية للقاهرة. وعزا ذلك، إلى "وجود توتر في العلاقات الأميركية الإيرانية، بجانب حراك خليجي يبحر بعيدًا عن واشنطن".

واستشهد بإطلاق الصين اتفاقيات عسكرية وسياسية مع الكويت والإمارات مؤخرًا، معتبرًا لغة واشنطن تجاه الخليجيين باتت "مزعجة". فيما تعتقد واشنطن أن الصين من أهم المنافسين الإستراتيجيين لها على المدى البعيد، وتواجه علاقات البلدين أزمات متكررة ومشكلات عدة متراكمة.

وأشار غباشي إلى "تعقيدات كثيرة تعرّضت لها واشنطن بالمنطقة، كالقضية الفلسطينية واستهداف مضيق باب المندب (جنوبي البحر الأحمر)، والتغلغل الإيراني في المنطقة، بحاجة إلى دور مصري فعَّال".

وبخلاف عدة أزمات بارزة، وصلت لحد الصراع العسكري، خاصة في سوريا وليبيا واليمن، شهد مضيق باب المندب توترات عسكرية، الأسبوع الماضي؛ إثر إعلان السعودية تعرض ناقلتين لهجوم "حوثي" قرب سواحل اليمن.

لكنَّ الزيات، قال إن "قدرة تأمين باب المندب لا يملكها في العالم إلا دولة بقوة الولايات المتحدة"، مستبعدًا دورًا مصريًا في هذا الصدد.

يعتمد الجيش المصري في تسليحه بشكل أساسي على الولايات المتحدة (رويترز-أرشيف)

ماذا تنتظر واشنطن من القاهرة؟
"التهدئة مع مصر في هذه المرحلة"، يعدَّها غباشي، مقابلًا إزاء التراجع عن تجميد المساعدات العسكرية.

بينما رأى الزيات، أن "الحديث عن حاجة الولايات المتحدة إلى مصر في المسائل العسكرية والسياسية، واتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، لم يعد حاجة ملحة، حيث تملك من التسهيلات في منطقة الخليج، ما يستبعد حاجتها لدور مصري".

وإزاء تهديدات تجميد المساعدات لمصر، شدد غباشي على ضرورة "تغلّب مصر على قرارات مشابهة مستقبلًا"، على أن "تكون الرسالة المصرية: نحن دولة كبيرة في المنطقة، وعلينا أن نستغني عن تلك المعونة". حيث تُقدم واشنطن لمصر نحو 1.5 مليار دولار مساعدات سنوية بينها 1.3 مليار مساعدات عسكرية، منذ توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979.

واتجهت مصر، في السنوات الأخيرة إلى تنويع مصادرها من التسليح، حيث توجهت إلى الصين وألمانيا وروسيا وفرنسا، دون الاعتماد على المنفذ الأميركي وحده.

المصدر : وكالة الأناضول