بعد درعا.. هل خسرت المعارضة الحرب والسياسة؟

قوات النظام استعادت السيطرة على النقاط الحدودية مع الأردن بينها معبر نصيب (الجزيرة)
قوات النظام استعادت السيطرة على النقاط الحدودية مع الأردن بينها معبر نصيب (الجزيرة)

زهير حمداني

منحت معركة درعا والاتفاق المبرم حولها النظامَ السوري انتصارا ميدانيا جديدا له أبعاده الإستراتيجية في الأزمة، بينما ثبتت مشهد توالي انكسارات المعارضة ميدانيا وانكفائها سياسيا بما يثير تخوفات المعارضين من "هزيمة شاملة".

وإثر العملية العسكرية التي بدأتها يوم 19 يونيو/حزيران الماضي، استطاعت قوات النظام وروسيا الوصول إلى معبر نصيب على الحدود الأردنية كهدف أساسي للعملية العسكرية، ووافقت المعارضة في ريف درعا الشرقي على اتفاق روسي بعد ضغوط عسكرية شديدة.

سيطرة النظام على درعا -باعتبارها مهد الثورة السورية- أثارت مخاوف كبيرة من انتهاء "الحالة الثورية المسلحة" في عموم سوريا، وفقدان ورقة الضغط الأساسية بيد المعارضة للدفع باتجاه حل سياسي بالحد الأدنى بعد خسارتها أوراقا ميدانية مهمة.

دبابات تابعة للنظام أثناء دخولها قرية الغارية الغربية بمحافظة درعا (رويترز)

دومينو الميدان
تنبع هذه التخوفات من أن "انتكاسات المعارضة وانتصارات النظام" أخذت منحى تصاعديا منذ منتصف 2014، بداية من حمص إلى الغوطة الغربية (داريا والمعضمية) ومعظم اللاذقية والقلمون الغربي، فحلب ومنطقة وادي بردى ودير الزور (كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة) ومؤخرا دخول إدلب حتى أبو الظهور، ثم الغوطة الشرقية ومنطقة القلمون الشرقي، وصولا إلى درعا والحدود الأردنية.

بينما يرى معارضون أن الاتفاق "أفضل ما أمكن تحقيقه لحقن دماء الثوار"، يصف إبراهيم الجيباوي المتحدث باسم غرفة العمليات المركزية بالجنوب الاتفاقَ مع الروس بأنه "عملية استسلام وانهزام"، مضيفا أن مكاسب المعارضة صفر، وأنه سمح فقط بإنهاء حالة النزوح على الشريط الحدودي الجنوبي والغربي.

ويؤكد الجيباوي أن روسيا ليست وسيطا بل "هي طرف عدو محتل قاتل ومتوحش" وهي التي فرضت توقيع "اتفاق العار" مؤكدا أن الولايات المتحدة أذعنت لموسكو في سوريا على حد تعبيره.

في معركةدرعا اعتمد النظام على الضغط العسكري الكبير والتمهيد الناري الكثيف والتقدم من ثلاث جبهات والقصف المكثف بإسناد روسي، مع فتح المجال للمفاوضات أو "المصالحات" التي دخلت فيها عدة قرى وحسمت المعركة من حدود السويداء إلى تل شهاب (جنوب غرب مدينة درعا).

ورغم وجود نحو ثلاثين ألف مقاتل -وفق تصريحات المعارضة- على الجبهات العسكرية بمواجهة النظام مع ترسانة أسلحة لا يستهان بها، لم تختلف حصيلة الميدان عما حدث قبل نحو شهرين في الغوطة الشرقية.

ويقول الخبير العسكري والإستراتيجي فايز الدويري إن النظام وروسيا اتخذا قرار إعادة فرض السيطرة العسكرية على منطقة خفض التصعيد كاملة، وإن قوات النظام ستنتشر في النهاية بكل هذه المنطقة، بما فيها تلك التابعة لتنظيم الدولة في حوض اليرموك أو القنيطرة.

خسارة معركة درعا - كمايرى محللون عسكريون-مثلت تكملة للانعطافة في سير الحرب، وهي رجع صدى للهزائم التي حصلت في معارك سابقة مهمة، سواء في الغوطة الشرقية وقبلها في حلب، وهي أيضا انعكاس للوضع السياسي المتردي للمعارضة السياسية بحسبهم.

ويقول الكاتب والباحث السياسي السوري سعد الشارع إن مرحلة صعود المعارضة المسلحة انتهت عام 2014، وبدأت فترة الهبوط والانكسار وتنامي التباين في المرجعيات الفكرية والسياسية.

يشير سعد الشارع إلى أن مرحلة الانكسار اصطبغت بصراع داخلي وصل إلى اقتتال ومعارك استئصالية بسبب اختلاف المشاريع بينها والصراع على السلطة والنفوذ، وهو ما عزز الانتقال من قادة جماعات ثورية إلى أمراء حرب، على حد توصيفه.

مصطفى: واشنطن تركت الشعب السوري أعزل بمواجهة روسيا والنظام (وكالات)
واقع جديد
بالتزامن مع بدء تشرذم المعارضات واختلاف مرجعياتها ومشاريعها واصطفافاتها وعدم فهم المتغيرات السياسية الإقليمية والدولية، مثّل التدخل العسكري الروسي في سبتمبر/أيلول 2015 نقلة نوعية للنظام على الصعيد العسكري تمت خلاله تصفية الجبهات المهمة تباعا.

هذا التدخل المباشر فرض واقعا ميدانيا وسياسيا جديدا، حيث أصبحت سوريا ميدانا لتفاهمات أميركية روسية حتمتها طبيعة الصراع الذي يتجاوز سوريا إلى ملفات دولية معقدة، وكذلك تفاهمات روسية إقليمية، وخصوصا تركيا وإيران.

وهذه التوازنات والتفاهمات حكمت طبيعة المعارك ومساراتها ونتائجها، كما حصل بمعركة درعا الأخيرة، حيث يقول رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية عبد الرحمن مصطفى إن المجتمع الدولي ترك الشعب السوري أعزلا في مواجهة جرائم النظام وروسيا وإيران.

وتصف المعارضة السورية الموقف الأميركي بعدم دعمها عسكريا في درعا بأنه "خيانة". ويقول مصطفى إن واشنطن تخلت عن الساحة بشكل كامل في سوريا لصالح روسيا، وأوقفت حتى المساعدات الإنسانية والعسكرية ما عدا للأكراد بمنطقة شرق الفرات.

ويتخوف معارضون من أن تكون بقية المناطق ومسار الحل في سوريا محل تفاهم بين الرئيسين الروسي والأميركي فلاديمير بوتين ودونالد ترامب باجتماع هلسنكي المقبل يوم 16 يوليو/تموز الجاري ضمن صفقة شاملة.

بسقوط ورقة درعا وإمكانية قلب الموازين العسكرية، تنتظر المعارضة معركة النظام المقبلة وتأمل في استثمار سيطرتها حاليا على أجزاء واسعة من إدلب، وفي أرياف حلب الغربي والشمالي وأرياف حماة، في تثبيت نفسها في أي عملية تفاوض مقبلة، خاصة وأن هذه المناطق تقع بشكل أو بآخر تحت دائرة النفوذ التركي.

من جهة أخرى، يرى معارضون أن المعارضة المسلحة باتت منذ فترة عبئا على الثورة والحل السياسي وأن المعارضة السياسية -التي مازالت تحظى بدعم أممي- قد تجد نفسها أقل قيودا وأكثر قدرة للانخراط في العملية السياسية، خاصة وأن استقرار الوضع العام في سوريا لن يتم دون حل سياسي تحت رعاية أممية.

المصدر : الجزيرة