صيف الكوكايين بالجزائر.. تدافع الفضيحة وسقوط الكبار

صيف الكوكايين بالجزائر.. تدافع الفضيحة وسقوط الكبار

وزارة الدفاع الجزائرية نشرت في صفحتها على فيسبوك صورا لشحنة الكوكايين التي صودرت بسواحل منطقة وهران
وزارة الدفاع الجزائرية نشرت في صفحتها على فيسبوك صورا لشحنة الكوكايين التي صودرت بسواحل منطقة وهران

أحمد مروان-الجزائر

مثلما كان متوقعا فإن حجز سبعمئة كيلوغرام من الكوكايين في الجزائر لم يمر من دون رد فعل بل جعل صيف الجزائريين الأكثر إثارة وحرارة، فقد قطف رؤوسا كبيرة وتسبب في هزات ارتدادية واسعة.

في 29 مايو/أيار الماضي ضبطت قوات حرس السواحل كمية ضخمة من الكوكايين قدرت بسبعمئة كيلوغرام كانت مخبأة في حاوية لحوم للمستورد كمال شيخي المعروف باسم "البوشي".

ضبطت الحاوية في سواحل مدينة وهران على بعد أربعمئة كلم غرب العاصمة الجزائر.

وقد سببت الواقعة صدمة بين أوساط الجزائريين، وأثارت تساؤلات محيرة بشأن الجهة التي تقف وراء العملية غير المسبوقة في تاريخ البلاد، مما يشير برأي البعض إلى أن العملية تقف وراءها رؤوس كبيرة وليس مجرد صغار المهربين.

وبعد إعلان وزارة الدفاع عنها تسببت الحادثة في سقوط شخصيات نافذة، منها قضاة وأبناء شخصيات سياسية كبيرة، أبرزها نجل الوزير الأول الأسبق عبد المجيد تبون.

وبعد الحديث عن تجاوزات وخروق شابت عملية التحقيق الابتدائي في قضية الكوكايين صدر قرار مفاجئ بإقالة المدير العام للأمن اللواء عبد الغاني الهامل.

هذه الخطوة زادت الملف تعقيدا وغموضا، وطرحت تساؤلات عميقة بشأن وجود صراع بين أقطاب النظام، وعبرت بعض الأطراف عن تخوفها من استغلال القضية لتصفية الحسابات في إطار ترتيبات خاصة برئاسيات 2019.

قطف الرؤوس
وتم أيضا إنهاء مهام مدير أمن العاصمة الجزائر نور الدين براشدي، ولكن التغييرات لم تمس فقط المؤسسة الشرطية بل شملت قيادات أخرى في وزارة الدفاع، أبرزها قائد سلاح الدرك الوطني اللواء مناد نوبة واستخلافه بالعميد غالي بلقصير، وكذلك إنهاء مهام كل من مدير المالية في وزارة الدفاع بوجمعة بودواور، ومدير الموارد البشرية بنفس الوزارة اللواء مقداد بن زيان.

وتزامنت هذه التغييرات مع الاحتفال بذكرى الاستقلال التي تحل في 5 يوليو/تموز من كل عام، مما جعل البعض يعتبرها إجراءات روتينية عادية.

لكن ما حدث مع اللواء عبد الغاني الهامل لا يمكن اعتباره مجرد تغيير روتيني بل يعكس صراع داخل أجنحة النظام، وفق مراقبين.

ويستدل هؤلاء على وجهة نظرهم بالقول إن الهامل كان من بين الأسماء المرشحة بقوة لخلافة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في حال عدم ترشحه لولاية خامسة.

وبالنسبة إلى الخبير في علم الاجتماع السياسي البروفيسور ناصر جابي فإن الصراعات دائمة الحضور داخل النظام السياسي بين الأقطاب المكونة له "وليست في حاجة إلى دليل لإثباتها".

ويقول جابي إن هذه الصراعات قد تزداد استقطابا بمناسبة الأزمات التي يمر بها النظام كما هو الحال حاليا بعد فضيحة الكوكايين التي تتحول إلى فرصة لتصفية الحسابات بين الأشخاص والأجنحة عن طريق الإبعاد من المناصب.

وعن علاقة الحراك الحالي بالرئاسيات القادمة يؤكد جابي للجزيرة نت أن "كل شيء هذه السنة مرتبط بالانتخابات المذكورة حتى لو أن النظام يقول العكس".

المؤسسة العسكرية بالجزائر شهدت مؤخرا تغييرات وإقالات ربطها مراقبون بتداعيات شحنة الكوكايين (مواقع التواصل)

مثل هذه الفضائح في تقديره "تشوش على السيناريوهات الموضوعة وعلى سير المؤسسات، خاصة إن تعلق الأمر بمؤسسات أمنية كالأمن أو الدرك التي كانت تعول عليها المجموعة القابضة على الرئاسة، وعلى رأسها بوتفليقة".

وبمعنى آخر، فإن فضيحة الكوكايين خلطت الأوراق "مما قد يثير قلاقل إضافية داخل النظام، في انتظار تطورها وأين ستصل حتى دون انطلاق المحاكمات التي يمكن أن تتأخر إلى ما بعد الانتخابات".

ترويض العسكر
ويعتقد المحامي عبد الغني بادي أن "السلطة السياسية ومنذ العهدة الثانية للرئيس بوتفليقة تعيش صراعا على مستويات عليا بين جناح بوتفليقة وجناح آخر لا يرغب في استمراره".

ولكن في النهاية استطاع بوتفليقة "ترويض الجناح المهيمن داخل المؤسسة العسكرية الذي كان يصنع الرؤساء".

والآن "جناح بوتفليقة يقف استعدادا للعهدة الخامسة، ولا يريد من يشوش عليه، والظاهر أن كل التغييرات الأمنية لم تكن اعتباطية، ربما يعزوها البعض لما تعرف بقضية 701 كيلوغرام كوكايين".

لكن المسألة تتجاوز الكوكايين "فالتغييرات ترتبط برهانات السلطة وكل من مركزه يريد أن تسير الأمور لصالح جناحه".

ويضيف أن "التغييرات ترتبط إما بالتواطؤ ضد الرئيس أو التقصير في حماية صورته أمام الرأي العام، خاصة في ظل قضايا كثيرة تمس بمصداقية السلطة في فترة حرجة جدا، لذلك جناح الرئيس يرغب في إعادة ترتيب أوراقه وإبعاد كل متآمر أو مقصر".

وفي تقديره، فإن الأمور لحد الساعة تسيير باتجاه جناح بوتفليقة "وهم يتحكمون في الوضع بنوع من الحيطة والحذر والخوف من المفاجأة غير السارة ".

المصدر : الجزيرة